ثورة حولاء
علا هتاف الله أكبر في كافة مباني المدينة الجامعية ليلة الامتحان ،بينما كنت سأنام
:صاح بي زياد
قم وشاركنا التظاهرة ،أم أنك تبرع فقط في التنظير -
ًهبة الأخوان المسلمين لا تعني لي شيئا-
زياد شاب كوردي مفعم بالطيبة ، دموعه تدمع ان رأى قطة ميتة متجمدة من الصقيع صباحاً في احدى أزقة حي الشيخ مقصود
هتف بوجه الزميل القادم من سهول حوران
هيا قم وشاركنا فهذا يومنا-
:اعتذر الزميل وقال -
عفوا أنا لدي امتحانات ولا شأن لي بهذه المعمعة-
أجاب زياد-
يا حيف -
أروقة وممرات المدينة الجامعية بحلب مكتظة من قوات حفظ النظام التي غالبيتها شباب باعمار العشرين استقدمهم الأمن من أرياف دير الزور والرقة وبوادي تدمر
جاؤوا بعصيهم الكهربائية لإخماد الهبة التي تشتعل ما بين فينة وأخرى
بينما انقسم الطلاب ما بين مؤيد للعظم للدولة وآخر مناهض لها ، وتحول الميدان لساحة نزاع أشبه بشجار القطط مع القطط والكلاب مع الكلاب
بصعوبة استطعت صباحا أن أنسل من بين قضبان سياج المدينة الجامعية أحد قضبانها كان مخلوعاً ، كنا ننسل من خلاله لداخل المدينة الجامعية ومنها للخارج بدل من أن نقطع مسافة المشي للوصول للمدخل الرئيسي
المدخل الرئيسي مكتظ بحراس الأمن الذين يطلبون الهوية الجامعية لكل داخل إليها، وبسبب التظاهرة الليلية لم أشأ الخروج من المخرج الرئيسي للمدينة
جو كئيب ومريب يعم ارجاء كلية الآداب ، ومظاهر مسلحة تنتشر داخله كأننا في معسكر جيش أو معتقل قسري أشبه بمعسكر اعتقال نازي
هممت بشراء محاضراتي وقفلت راجعاً لمنبج ، وحين وصولي لكراج الشعار رأيت جموعاً هاتفة قادمة من حي الصاخور
وقبالتهم رجال أمن يختبرون بنادقهم الخفيفة في رمي أشبه بتمارين تعلم القنص والإصابة الدقيقة
دخلت الكراج ورحت للمطعم الذي يعمل فيه صديقي حمودة العفريني الذي يحب أن يلقب نفسه ب أبو وديع لهوسه بصوت سلطان الطرب جورج وسوف
لم أجده
كانت تلك آخر مرة أذهب لهناك ولا أجده.
كان يحتاجني كثيرا لأجل رسائل الغرام القصيرة التي يطلب أن أكتبه لأجل حبيبته غفران
عدت لمنبج بصعوبة فما بين كل عشر دقائق حاجز للنظام وآخر للجيش الحر وآخر لفصيل اسلامي متطرف يحمل مسمى جبهة النصرة
كأننا في رحلة لا تخلو من مغامرة ، فما بين دبابة نراها هناك واشتباك صغير في مفرق أحد الطرق وهكذا
:بعد فترة عدت لحلب فتفاجئت بالزميل الحوراني يوزع رضاه وحنقه على هذا وذاك فيقول
لماذا الكورد لا يشاركون معنا في المظاهرات_
انهم خونة وعملاء للنظام
بينما من حوله يهزون رؤوسهم بالإيجاب والرضا
الاصطفافات والعنف أخذ طابعه العام على الجميع شباباً ,شيوخاً ونساء وحتى أطفال
شعرت نفسي بين هذه الجموع أني أجنبي لست من هذا البلد ، الذي كشف فيه الجميع عن مخالبهم
حتى العصافير باتت خفافيشاً في سماء لا تمطر المطر إنما القذائف والبراميل
في وسط تلك المعمعة والبركان الذي يغلي هممت بلملمة أوراقي وأحلامي وغدوت أبحث عن مخرج، شعرت أن البلد بات سياجاً محكماً يستحيل أن تجد فيه ثغرة ما للهروب
كل من لم يكن له علاقة بالسياسة أصبح سياسي درجة أولى
كل من لم يكن له علاقة بالدين أصبح رجل دين لحيته تصل لباطن الأرض من شدة الورع والتقوى
صديقي لاعب كرة القدم صار قائد لكتيبة عسكرية
صديقي الآخرمصور الحفلات الشعبية أصبح إعلامياً مرموقاً في قناة تلفزيونية حزبية تصدح بالأغاني الثورية والهتافات الحاملة صور القائد
زميلي في الابتدائية الذي كنا أنا وإياه نسرق الرمان وراء المدرسة وكان معروفا بتغيبه المتكرر عن الدرس وتحرشه بآنسة الانكليزي ، أصبح الآن مدير مدرسة
: أستاذي الشيوعي السابق وبعد استشهاد أخيه ، بدأ يكتب لي
تعال وانضم إلينا لا بد وأن تعمل في صفوف الثورة -
ثورتي قلمي وسأكتب بعيداً عن هذا الموج الهالك -
لم يكف عن توبيخي في كل مناسبة وعلى الفيسبوك لأني لم أستجب لتوجهاته
باتت ظاهرة مألوفة أن نجد البعض يقتات من بوابة انه من عائلة فيها شهيد أو أكثر
.ويستلم المناصب وينكل ويهدد بمن لا يروقه وهكذا
بدت الثورة كشفا وتجليا لنوايا النفس البشرية في ان تبدو منسلخة عن انسانيتها لتبدو سلطة جائعة لهرس
. الرؤوس وطحن العظام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق