الجمعة، 9 أكتوبر 2020

جنون متأخر .قصة : ريبر هبون

جنون متأخر
نذير يحب الظهور بمظهر مهيب أمام الجماهير وفي كافة الفعاليات التي يقيمها الحزب ، يمتاز بنبرة وقورة واسلوب وعظي متألق بإمكانه تحريك التماثيل بلفتته المميزة يمشي وسط الحفل الخطابي وهو يجر ابتسامته الساخرة والتي تعلو مقدمة ثغره ، بعينين بارزتين حادتين تنقضان على الكآبة والبرود حين يعلو صوته
اننا هنا وقد وصلنا لما نحن عليه بفضل دماء شهدائنا وتضحيات أبناءنا
وتستسلم الجموع لنوبة الحماسة عبر تصفيق متلاحق 
عين تلك المرأة الجالسة في الصف الأول ترسلان برقيات الإعجاب لعيني نذير الحادتين  واللتين سرعان ما تلينان ليسيل منهما الدفء حين تصطدمان بساق أنثوية تعلو على الساق الأخرى وبصدر نافر أشبه بنبعتي مياه تحيط حولهما الصحراء الواسعة
  حييت رفيق ، ما قلته دخل القلب-
شكرا -
يقولها ببرود متعمد ..
ميساء الشقراء بدأت تمارس العمل الحزبي وتدأب في حضور الاجتماعات
مطلقة حديثاً بعد حصولها على الإقامة الدائمة بسبب غيرة زوجها الجارفة طلبت الانفصال ، وهي تبحث عن بديل يعوضها عن الأسى الذي كابدته طيلة سنوات زواجها السابق، تكثر من صبغ شعرها ووضع صورتها على حالتها في كافة حساباتها الفيسبوك  ، الانستغرام والواتس آب، ولديها ابنين شابين يعيشان بعيدين عنها، ولكونها وحيدة ، وبحاجة لشيء يملئ فراغها فقد دخلت لعالم السياسة ، لتشعر أنها محاطة بشيء يؤنسها ويدفع عنها إحساس اليأس  والركود
شعرت أنها وجدت ضالتها في نذير ، إنه رجل وحيد ويقيم مع ابنته، ويلهث ورائها، علها تراوده أكثر فيسارع في طلب يدها من ابنها البكر،   اعتادت على حضور الاجتماعات والنظر ملياً لعينيه، كأنها للتو تدخل سن المراهقة، ونذير يرمقها بنظراته الدافئة ويختصر الاجتماع ويغلق المجال أمام أسئلة المداخلين بحجة ضيق الوقت، لأجل اجتماع حميم ، بدأ الفرح والانشراح يطرقان باب روحها حين تبادله الكلام والنقاش حول الأحداث الساخنة،توطدت علاقتهما الرفاقية أكثر فسعى نذير إليها بحواسه المتأهبة لأنفاسها وعطر بارفانها وجلوسها حين تلف ساقاً على ساق 
شيء يأخذ العقل، ويبهج الداخل الملتهب الذي لا يلقي بالاً لشيب الرأس وغزو التجاعيد حول العنق والثغر
لم تنسى ميساء حركات التمنع والصد رغم وصولها لحافة الخمسين من العمر فحين التقطت اشارات الاهتمام من نذير  بدأت تتمنع عنه وهو يزداد طلباً ورغبة في الاقتراب منها بل ومواعدتها

نذير أرادها حباً واتصل بها وهو يقود سيارته 
 أين أنت ميساء -
سأذهب عند أختي غداً -
سآخذك بسيارتي-
لا شكرا سأذهب عبر القطار-
ًلا يعقل أن أتركك تذهبين بالقطار ، سنترافق معا-
 لكن أخشى أن أعذبك معي-
 عذابك جنتي-
سآتي عندك ونذهب سوية-
ًحسنا-
حين التقيا تبادلا الاحتضان ومضيا معاً، لم تتوقع ميساء إصراره للتعرف على شقيقته والذهاب  معها لبيتها
تبادلا الحديث 
: وبعد برهة من صمت جاء اعترافه الصادم وبصوت جهوري قال 
أنا أحب ميساء ، وهي بنظري امرأتي ، سنحيا معا حياتنا كعاشقين وسنتزوج قريباً -
 أصاب ميساء والحاضرين ذهول تام 
بدأ نذير يحاصرها كل لحظة باهتمام مبالغ فيه
:حين غادرا المنزل وقبل أن يدخلا السيارة أوقفته قائلة:
مجنون كيف تقول ذلك وكأنك أخذت موافقتي أو أنك تعرفني منذ زمن-
طرقت الحديد وهو حام ، هذا كل ما في الأمر -
في الواقع شعرت ميساء أنه رجل مميز في طريقة ولوجه لقلبها
وتوالت من بعد تلك الصدفة اللقاءات والقبلات الساخنة التي تذيب قلب الشتاء الأوروبي 
فداخل فراء المعطف الأسود جسد يحن لجسد مقابل، ووراء تورد الشفتين ولمعان الحمرة  نداء لقبلة طويلة  لا تنتهي كموال  حزين، تمضي الأيام والأشهر وهما على حالة من الغرق اللذيذ، يلتقطان عبر كاميرا كل ما يجري بينهما من جنون، إلا أن لحظات الجنون سرعان ما تنقضي،ميساء تلح على موضوع الزواج ، ونذير يماطل، وهنا تود ميساء إنهاء ذلك الغرام، أما نذير فيصر على إبقاءها رهينة جنونه وأوامره، تقوم بحظره ، فيتصل من رقم آخر، يهددها بنشر الصور ، إذا قطعت العلاقة، ميساء تخاف ، تنسحب من ثم تظهر، نذير يمارس الخطابة والتجبر عليها، من ناحية ، وكذلك يراقب منشورات أصدقاءه ، فمن خرج 
عن جادة الإيديولوجية يقوم بالاتصال به، ليوبخه ويستهزأ بمضمون ما تم نشره،  عبر عبارات ملغومة راح يطلقها 
سنلتقي حتماً - 
. يتفاجئ بحظر يحول دون أن تكون هنالك أي بوادر من لقاء بما معناه المحاسبة - 
ميساء لا تفوت وقتها وهي تختبر حاسة الشم لديها في إمكانية وجود رجل يستطيع الزواج بها ليملأ عليها فراغها المتحول لغول

.وهكذا تمضي الأيام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حيَّان كورديان أمام إرهاب دولتين

حيّان كورديان أمام إرهاب دولتين *ريبر هبون قراءة سياسية تشهد مقاومة الأهالي في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ضراوة غير مسبوقة، أمام...