الجمعة، 17 سبتمبر 2021

مقاربة نقدية حول كتاب الحب وجود والوجود معرفة للكاتب الكوردستاني ريبر هبون - حسن خالد : باحث اجتماعي

 



مقاربة نقدية حول كتاب الحب وجود والوجود معرفة

حسن خالد- باحث اجتماعي*
========================
بعث لي الأخ ريبر مشكورا ، كتابه المعنون أعلاه
هرعتُ مباشرة إلى فتح الملف "الكتاب" لأتصفح الفهرس كجس نبض واستعداد نفسي في تهيئة قريحتي للقراءة ، وهو عهدي ومنذ فترة طويلة عندما يقع بين يديّ كتاب ما ، إن مطبوعاً أو إلكترونياً،لا أخفيكم انتابني شعور غريب اختلط فيه
الفرح ، لإنجاز صديق عاشرته عن قرب ومضطلع عليه إلى حدٍ كبير وأعرف شغفه و سعيه لإنجاز مشروعه الفكري الذي آمن به وعمل له وطرح تفاصيله في كل فرصة تلوح له بين أصدقاء الهم أو عبر فضاءات القارة الزرقاء أو من خلال وسيلة إعلامية إن توفرت ، وله محاولات يشهد له بالبنان
-
والتوجس ، لما حوته ثنايا هذا الكتاب؟
وأجدني ملزماً - أخلاقياً - بالإضافة لمحاولتي تناول حوايا الكتاب من خلال السعي لتناول مضمون الكتاب بمقاربة نقدية "ولا أدّعي أني ناقد" وتسليط الضوء على ما يرغب الكاتب إيصاله من خلال حوايا هذا الكتاب " للمهتمين أو للقارئ الشغوف بهذا التوجه .
عنوان : "الحب وجود والوجود معرفة " وهو عصارة لتجربة ورغبة امتدت طويلاً "حوالي تسعة أعوام" عايشت نصف المدة " بشكل واحتكاك مباشر " لطرح ما يوده الكاتب من خلال نظريته - مقاربته - المعرفية الوجودية؟
الكتاب ومن خلال العنوان يبدأ بطرح إشكالية ربط العلاقة ما بين(ثالوث : المعرفة و الحب والوجود) .
فما الذي رغب الكاتب في طرحه وإيصاله بهذا العنوان؟
حوايا الكتاب (خليط "فكري- فلسفي سياسي بصيغة مقاربة اجتماعية اقتصادية لا تخلو من تفسيرات فهم لطبيعة التأثير النفسي لكل ذلك ) للواقع الذي نعيش فيه.
كثيرا ما يتردد مصطلح "المعرفيون " والذي يحاول سوقه كأدوات للتغيير وكحوامل لفكر حضاري يسعى لكل البشر
ولا يقتصر المعرفيون على المفهوم التقليدي، إنما يسعى الكاتب ليوسع هذا المفهوم ليشمل كل مهني يحب ويتقن مهنته إنما متسلحا بغلاف أخلاقي وجداني فيتضمن وحدة المعرفيين صون الأمن والسلم البشري وتأمين مقتضيات المعيشة الكفيلة بحفظ الكرامة الإنسانية للبشر أينما وكيفما كانوا هي صرخة "يا معرفيي العالم تكاتفوا " لأنه السبيل الأنجع لصون الوجود "طبيعة - بشر - كائنات" من السقوط والاندثار
وهنا تأتي معركة المعرفي مع السلطوي الجشع "تجار ومحتكرين" و"سلطويين سياسيين" و "رجال دين" متحالفون مع سابِقَيهم"
يحاول الكاتب مجتهدا تسليط الضوء على إشكاليات بنيوية عصية تعصف بالمنطقة التي نعيش فيها تحديدا واحتكار كل جميل لتمرير قبحهم
يقف طويلا على إشكالية داعش وظروف تشكلها تاريخياً وتغلغل القوى الفاعلة لتوجيهها بغرض رسم سياساتهم وتعويمها
.
وسطوع النجم الكردي في هذه المعمعة


لب الإشكالية في المنطقة كامنٌ في الصراع الاقتصادي الخفي والقابع في جوف الصراعات العرقية و المذهبية وحتى تظهر

. بصور قلاقل كردّة فعل عن انعدام العدالة الاجتماعية و السياسية
يجتهد الكاتب في إيلاء أهمية بل وواجب المعرفيون في خلاص العالم ، من خلال رص الصفوف على المستوى العالمي لمكافحة

. المعضلات البنيوية في عالم ينحو نحو التوحش
هذه النوعية من الطروحات أجدها الأقرب إلى مذهب أو مدرسة "التبعية الاقتصادية" التي دعت إلى تصحيح المسار بين مركز يتغول على حساب محيط يتقزم ؟
والسلطة في المحيط تجد نفسها مضطرة لأن تتحالف مع سلطة المركز وإن على حساب مجتمعاتها ؟
و التبعية : هي علاقة استغلال و علاقة غير متكافئة بين دولتين أو أكثر , و هي عبارة عن نظام سياسي و اقتصادي تخضع بموجبه إحدى الدول لدولة أخرى , وهذا ما يحرم الدولة التابعة من ممارسة كافة مظاهر سيادتها في داخل إقليمها و في المجتمع الدولي ومن أهم منظريها سمير أمين صاحب مقولة " فكّ الارتباط " وكذلك سانتوس صاحب طرح "المركز والأطراف ".
الإمبراطورية الإعلامية وامبراطورية السلاح يتحكم بها المركز فتضخ ما يحلو لها وتتحكم بضخ المعلومة وكمية ونوعية السلاح

ًفنجد أنفسنا أمام نظرية السيد والعبد تحديدا
الكتاب المطبوع على "حجمه الكبير نسبياً" في عالم "تدفق المعلومة" جهدٌ طيب ، ينبغي أن يُقابل بالشكر و تناوله بمقاربات نقدية

. تحليلية
لأنها خليط "نفسي اجتماعي سياسي اقتصادي" لا غنى للمهتمين في تلك الحقول عنه وكذلك مرجع هام للمشتغلين بالفكر والفلسفة
ما عاب على الكتاب "وهو لا يقلل من قيمته " أن الهوامش التوضيحية في نهاية الصفحات كانت تفرض نفسها وبقوة على حساب

. الاستدلال على المصادر والمراجع التي استقى منها الكاتب فكرته أو اقتباسه
مرة أخرى كل الشكر للمجهود الطيب الذي بذله الأخ ريبر
مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الذاتية والموضوعية التي مرّ والعوائق التي اعترضته في استمرارية النضال لفكرة آمن بها وحرص على إيجاد الطريق لترى النور
.
وهذه مقاربة لا أدّعي أنها تحمل الصواب إنما هو اجتهاد حاولته و أحاوله


السبت، 11 سبتمبر 2021

(غصن على متن السراب ورحلة توثيق الوجع للكاتبة نوجين قدو)ريبر هبون*

 


(غصن على متن السراب ورحلة توثيق الوجع للكاتبة نوجين قدو)


ريبر هبون
*


فيما لا شك فيه فإن التفاصيل المؤلمة والذكريات التي تتضمنها صفحات الرواية، تضعنا في حالة شجون متواصلة، حيث برزت لغة الروائية منسابة، سلسة وواضحة أشبه بتخاطرات تمس كوامن الإنسان الشرق أوسطي عموماً لما عاشه أو يعيشه من أحداث مقاربة والإنسان الكردي بصورة خاصة كونه من شخوص رواية الفجيعة المتكررة والتي يكتبها الزمن والتاريخ المكرر لنفسه، فجاءت اللغة هنا تخاطرية ، تقريرية تميل إلى الرتابة منها إلى الإدهاش، وقد غلب حس التوثيق لدى نوجين قدو على حس التخييل، وقلّت الحوارات في متن الرواية بالمقارنة مع السرد التقريري التسجيلي الذي هيمن على غالب مفاصل الرواية، لتعبر عن قصص مختلطة متعددة ومتشعبة في تداخلها على هيئة تراكب النفسي مع المعاناة الجمعية ، أما عن اللغة فقد بدت واضحة فصيحة، وإن استولى عليها تعبير كان، الذي يشير إلى الماضي، فالواقعية السردية هنا حالت دون بروز عنصر التخييل الذي يشير للماضي، وقد حالت دون بروز عنصر التخييل الذي بدوره يشد القارئ، نظراً لاستبداد كارثة عفرين ووقوعها بيد المرتزقة على نفسية المبدع الكردي، فلم تأبه نوجين قدو لتقاليد الرواية وراحت توثق وتدين وتشجب علّ روحها تهدأ، أو لتشعر أنها قدّمت للتاريخ الحي والبعيد صورة الفظائع المرتكبة على أرض الزيتون وبأبناءها الميامين، فقامت بوصف الأحداث دون الدخول للأفكار، تاركاً للمتلقي حرية أكبر في تقييم حيوات الشخوص، كون الكاتبة اتخذت مساراً مغايراً يتسم بالتركيز على الحدث وهوله وقد غاب التساؤل

. عن الرواية وكثر الوجع بلا هوادة ليخيم على لغة النص من مبتداه إلى منتهاه



ركزت نوجين على الشخصيات المتحلقة حول بطلة الرواية تيا بمحاذاة استغراقها في تجسيد الحرب، ص35 : < كانت الغارات متواصلة والقذائف ترمى من كل حدب وصوب ، نحو المقرات العسكرية والتجمعات المدنية، فيتعالى صخب الموت كل يوم وتعلو زغاريد أمهات الشهداء قهراً وتعذيباً ، تلوك الأكفان أجساد الصغار

< .والكبار أينما اتفق

تماماً تضعنا الكاتبة أمام مشاهد الهول والويل، فكان الحس الدرامي متبايناً ما بين الدخول في مضافة الذكريات والخروج منها لما يجري على أرض التين

. والزيتون

حيث يقول الروائي الأمريكي ستيفن كينغ :< إن لم يكن لديك وقت للقراءة، يعني

< . أنك لا تملك الوقت وأدوات الكتابة،

وقد استغنت الروائية عن تلك الأدوات لتأثرها المفرط بواقع اضطرها لقراءته ملياً على نحو يبعث على الألم واليأس، لسان حالها وجعها وشجونها وغربتها، وقد جسدت مقولي الروائي الروسي أنطون تشيخوف حين قال : <لا تقل لي إن

< . القمر مضيء، بل أرني بريق ضوئه على زجاج مهشم

وقد أطلت الكاتبة من ذلك الزجاج المهشم ، لتخبرنا بأثر أن يفقد المرء مسقط رأسه حينما تسقط مدينته بيد حفنة من شذّاذ الآفاق ترعاهم تركيا التي بنت

. وجودها الأساس على الدم والغزو وإزهاق الأرواح

لقد سجلت نوجين قدو الأحداث معتمدة على حصيلة من تجارب ذاتية وأخرى متعلقة بالمحيط، وبغياب الترابط على مستوى تسلسل الأحداث فإن ذلك يعزى إلى هيمنة الجانب النفسي على العملية الفنية، إثر فرط الوجع وتشعب الأفكار بما أنها تجربة أولى للكاتبة نوجين قدو فإن المستقبل القريب سيرتب لها في دفتيه

. طرائق أخرى من السرد والحوار تتخطى بهما مرحلة البداية بلا ريب

الأربعاء، 28 يوليو 2021

Xewin ‎ ‎Rêber ‎ ‎Hebûn ‎

"xewin"
delalê  keça  xewinê 
Min dûrxîne  ji  xemê 
Min  hembêz ke bi xurtî 
Rêxîne ji bo min bejinê
Tu  ji  bo min  xweş ahengî 
Ey rojbûna çi cejinê
Ez bê te qet tune me 
Di nav laşî tu wek xwînê
Hezkirina te  awaz e 
Jiyanê distrînê
Hezkirina te  awaz e 
Jiyanê distrînê
Min deyne li ser sîngê xwe 
Hevcêwiya êşa min 
Ta ez bimrim bi xweşî
Li  ser  destên te lê vînê
Dawî nîne  ji hestên dil 
Her zindî ne di  jînê 
Wek rastî û dilsozî
Jîndar in nêne kuştin 
Ji bona  te keça zînê
Rêber Hebûn 
28.07.2021

الجمعة، 23 يوليو 2021

دخان حرائق العصور - ريبر هبون

دخان حرائق العصور
ريبر هبون
 دلكي نهديك الحنطيين
قبالة شفتي
كي  تنمو الحنطة على صدري
وتفوح منها روائحك 
لتغدو مفعمة بجودة نزول المطر من باص السحاب العاجل 
وامنحيني قبلة فضفاضة كقمصان الهواء 
 ثم باغتيني برشفة ويسكي من معامل العرق المنسكب من رقبتك
 وقت الإيلاج المفعم بالحنان 
انسكبي علي قهوة سوداء 
اقطعي رؤوس ثعابين كآبتي الرقطاء
 حتى تحل علينا بركات السماء 
غيثاً يبعث على  تدفق الضوء من حلمتين مبلولتين بلعاب مارد 
لا يأبه لرعشاتك الملساء
 ولا لمفردات أحبك  ويا قلبي زدني بريقاً وانتشاء
 عاقبيني بسوط لسانك
 وقت يتحرش بلساني كطفل مشاغب
وازجري خوفك من أحدهم حين يمر علينا متأهباً
 كأنه في امتحان وبتطفل يراقب
فمي الراقد بقبر فمك يهوى رؤية رقيب وعتيد يتخاصمان 
يهوى أن يسقط عزرائيل في جب الموت 
لينفخ اسرافيل نفخته في فمه 
فيأخذه أخذ عزيز مقتدر
غسلوك بدموعك
كفنوك بسخاء قسوتهم
فلم تنسيهم
ثم رحت بعنفوان محارب أصد سياطهم عليك 
فما كان منك إلا أن استمتعت بتعذيبهم 
فأخذت سياطهم من يدهم 
فنقشتها على ظهر قلبي 
حتى صرت شهيدك المجهول
تعالي يا سر كلماتي 
انهبي من أحزاني ما شئت من كنوز الوجع 
واسرقي حسراتي
اتركي آثارك على الطريق
اتركي روائحك خلفك 
تتحرى ما بي من دخان حرائق العصور

الثلاثاء، 20 يوليو 2021

MEYXANA ‎LÊVAN- -Rêber ‎Hebûn ‎



Meyxana lêvên şîrîn 
Ew buxçeyên sîng û ber 
Ji laş û dil  re  gor in
 Ew sêvên nûgîhayî 
ew porê reş berdayî 
mizgîniyan dispêrin
 Tu yara hestên bêdeng 
Tovên beybûnên heftreng 
Jiyana nû destpêbû 
Dema tu hatî ba min
Gulya te şewqa rojê
Ji nav tariyê derxist 
Ta ronî ke ezmanê 
Ta şad bike jiyanê
tu  ji  min re bûye ew find 
ronî dike jîna min
nûjen dike dildarî 
berhev dike peyvên min
gerden şad e padîşah e 
li ser sînga te yara min 
dema ew gerden tê xwarê 
min dikşîne nêzî te
mîna pêlên deryayan
çendîn dîn e mîna min

الاثنين، 19 يوليو 2021

keça ‎Kanî ‎- ‏Rêber ‎Hebûn ‎

"Keça kanî"
Evînî  tu  gulistanî 
Çelengî tu bêrîvanî
Ji adarê re nîsanî
Ji erdê re tu ezmanî
Şîrîn lêvê sipî sîngê 
Ji  min re  tu dil û canî
Ji payîzê re avdarî 
Ji havîn re zivistanî
Ligel te her birîn xweş e 
Ji giyanê re dermanî 
Li gel te xemgînî geş e
Nema dijî perîşanî
Xwezî di hembêza te bijîm
Bi aramî bi hêsanî
Xwezî zendên te yên nermûk 
Di nav min de bibe kanî
Rêber Hebûn 
19.07.2021

الجمعة، 16 يوليو 2021

عالمي المزدان - ريبر هبون

"عالمي المزدان"
*ريبر هبون
في عينيك
أرى الله والشيطان
يقترنان
يلتحمان 
كالسماء والأرض
داخل الميزان
أراك
ليلا يحتضن النهار
وقمرا يوشك على الانهيار
في فنجان
حزنا يخاف الاندثار
ويدخل النار
يذرف دموعاً بحجم الخلجان
خذي شفتي
طعاما لشفتيك
حمرة لرضابك
بلسما لشفائك
من داء الألم
خذيني لنهديك
لهاتيك القمم
حيث الأمان
أشتعل كحبّات الجمر 
في الموقدة 
حين أتأمل صورك
أقرأ أحاديثنا البارحة
تصبح رئتي طعاماً للطيور الجارحة
ونبضاتي ميدان كل جائحة
يا عالمي المزدان
16.07.2021

السبت، 8 مايو 2021

أطفال الحي - قصة: ريبر هبون




_ أطفال الحي _

قصة: ريبر هبون



كانوا أطفالاً صغار ضمن حي مختلط فيه بيوت ، من كورد وعرب
مرعي وجاسم وخلف وحسين وتيسير وشافع وسلوم ورمضان ووائل، والأطفال الكورد التالية أسماءهم مسعود ، أوجلان، جلال، سرخبون، آزاد ، لهنك وحين تغلق كل المدارس وتبدأ العطلة الصيفية وفي عز الصيف الحار عند المساء، عند الساعة السادسة أو الخامسة والنصف، حينها تصبح حرارة الشمس أخف بقليل، يلعب أطفال الحي كرة القدم ليقلد كل منهم ما يراه من فلم كرتون كابتن ماجد أو رابح من حركات، كأن يسددوا الكرة بقوة حتى لا يستطيع الحارس التصدي لها وتمر من بين يديه، لتذهب لآخر الحارة ، أو لتذهب على سطح أحد البيوت وعندها إما أن يمزقها صاحب البيت مهدداً ومتوعداً الأطفال المشاغبين، أو

. يعيد الكرة للأطفال كي يكملوا لعبتهم محذراً إياهم من رميها للسطح مجدداً
وهكذا تمنح للأطفال فرصة جيدة من المهم أن يحذروا من أن تذهب الكرة مجدداً لأحد الأسطح ، وتنتهي اللعبة بوابل شتائم ، أو لتغيير سير اللعبة بلعبة أكثر خطورة وهي أن ينقسم صبية الحي لفريقين لأجل البدء بلعبة قذف الحجارة بعد أن يتخذ كل فريق موقعه، ليتواروا خلف تلك الدار الخربة وهي الحد الفاصل فيما بينهما، فتنتهي اللعبة بمشاهد دموية كأن يشج أحد الأطفال رأس طفل مقابل ويبدأ تدخل الأهل واللجوء للشكوى وتبوبيخ أهل الطفل المدان، أو أن ينشغل الأطفال بلعبة خطرة أخرى وهي إيجاد وكر دبابير وتسديد الحجر باتجاه شق الحائط الذي تخرج منه الدبابير لتتصدى ببسالة لتحرشات ، ،الأطفال به فالأقل حظاً وحركة هو الذي يقع في حصار تلك الدبابير الحمراء فتحيطه من كل الاتجاهات وتلدغه في كل أماكن جسمه
لقد جاءت لآزاد فكرة، أراد عرضها على سلوم ، وسلوم هذا أكبر الأطفال معروف بعنفه وسلاطة لسانه، وكثرة أخوته، فقد كان ينظم عصابة مكونة من أخوته من زوجات أبيه الثلاثة، فلا يتجرأ أحد على عصيان أمره، فقد عوّد من حوله قبل بدء اللعب ، على أن يشتم ويهين من ينضم للعب معه ، الأكثر ظرفاً أنه يبرع


في تأليف شتائم لا تخطر ببال أحد ، أحد أكثر شتائمه القذرة :


هل تريد الانضمام إلينا أيها القذر، شرطي هو أن تجعلني أمتطيك أمام الأولاد وأغتصب أختك داخل حظيرة التبن
آزاد هو الوحيد الذي تمرد على سلوم ، رغم قصر قامته مقابله، وهزالة جسمه، لم يكن نداً حقيقياً لسلوم، لكن لم يكن ليستطيع أن يصمت أمام إهاناته، فصارت له مكانة رمزية بين أطفال الحي وذلك بعد عدة شجارات ، استطاع أن يثبت ويصمد بالرغم مما فعله سلوم به ، حيث كسر زجاج نافذة بيت آزاد ، فما كان من آزاد إلا أن هجم كالمجنون ولوحده عليه ممزقاً قميصه المكوي ،وقد أراد بعد هدوء الجوء بينهما ، أن يشاركه الفكرة التي تجول في ذهنه.
-
سلوم لدي فكرة أظنها ستروق لك .
-
ما هي أيها اللعين .
-
بات لدي فريق كردي، وأقترح أن ننظم مباراة كرة قدم بين الكورد والعرب، ما رأيك ؟
-
أو تظن أنكم قادرون على هزيمتنا في اللعب ؟
-
لنرى ونجرب.
-
حسناً
راح آزاد وبسرعة يخبر ، مسعود جلال ولهنك ،وسرخبون بهذه الفكرة، فلم يعترضوا ، وأبدوا حماستهم، فقال مسعود
لا يوجد لدي حذاء رياضة، هل أستطيع اللعب بالصندل؟
-
حسناً إلعب بالصندل لا بأس .
أوجلان راح يقول لأزاد ، سأخبر أبي وأمي أن يقوموا بتمديد ساعة لعبي في الشارع ، وبعد أن تقوم أمي بتخييط جواربي المثقوبة سأعلمك بجاهزيتي ، لدي حذاء بلاستيكي أبيض اشترته لي جدتي وسألعب فيه، انه قوي وسيجعل تسديدي للكرة أقوى
:
تحدث جلال بحماسة :
-
أريد أن أكون حارس مرمى، فلقد شاهدت كل حلقات فلم كرتون كابتن رابح ، ولن تفلت الكرة مني سأمسكها وأركلها لكم لتصل لمرمى الخصم .
سرخبون ولهنك لم يكونا على وفاق، بصعوبة تمكن آزاد من إقناعهم بضرورة أن يتحدوا لأن هذه اللعبة ستفرض وجودهم على باقي أطفال الحي
لهنك أصغر وأشقى الصبية ، أصر اللعب حافياً ، فالحذاء الذي اشتراه بنفسه كان واسعاً عليه
:
أما فريق سلوم فكان ضعف فريق آزاد، وحدث شجار فيما بين الأولاد إثر تزاحم للانضمام للعبة ، حسمه سلوم صارخاً كالرعد ؟
يا أولاد الذين كفروا هم فقط ستة ، لقد اخترنا ستة فقط
ابن عمي مرعي، وابن خالي جاسم ، وأخوتي خلف وحسين وتيسير ووائل
حين يتعب أحدهم سينوب أحدكم عنه انتهى.
مرعي ترك المدرسة في نصف الفصل الدراسي، وجاسم الطويل كالنخل معروف بخفة دمه ونزقه في آن، أما خلف أشقر الشعر فقد دخل ميدان اللعبة مهاجماً شرساً يلعب الكرة كمن يلعب الملاكمة ، لقد أحال ساحة الملعب لحلبة مصارعة حرة،
لم يكن ثمة مرمى، كنا نضع عدة أحجار فوق بعضها البعض، ويصل طول المرمى مترين ، وحجم الملعب برمته يصل لعشرين متر، والكرة التي يتم اللعب بواسطتها كانت في الأصل كرة سلة مثقوبة ، والملعب بالأصل طريق للدراجات النارية والسوزوكي والتي لا تأتي وتذهب سوى ما ندر
بدأت المباراة ظهيرة الجمعة وأصوات الخطبة تنبعث من مكبرات الصوت من مسجدين على طرفي الحي، حتى اختلط صوت خطيب جامع النور بصوت خطيب جامع الرحمن، الأمر الذي أضفى على اللعبة حماسة أشبه بصوت المعلق الرياضي، وسط زمجرة المهاجمين وشتائم البعض وهتاف البعض الآخر، راح سلوم يعدو خفيفاً نحو مرمى الفريق الآخر، بينما حاول آزاد التقاط الكرة منه ، واستطاع تحريف مسار الكرة قبل أن تذهب باتجاه جلال . ثم راح أوجلان يستأثر بالكرة غير آبه بصياح مسعود الواقف قريباً من مرمى الفريق الآخر ، لرغبته الجمة في أن يحرز هدفاً بمفرده دون منة من أحد.
حتى استطاع كل من مرعي وجاسم استعادة الكرة منه فذهبت إلى سلوم الذي نجح بتسديد الكرة باتجاه جلال الذي قد أخذ غفوة وقتها فدخلت للمرمى دون أن يستيقظ حتى من صوت سلوم الذي راح يقول فرحاً

لقد ركبناهم !!!!

. إنه الهدف الثاني مقابل صفر
-
زمجر مسعود بوجه أوجلان
لو أنك شطتها باتجاهي لكنت قد سددت الهدف .
-
ولماذا أشوطها لك ؟
-
ألسنا فريق واحد ؟
-
بلى لكني أريد أن أحرز الهدف لأني ألعب أفضل منك ، ألم ترى أني تجاوزت كل الذين حاولوا استعادة الكرة مني حتى كدت أصل مرماهم لوحدي.
مسعود في الجولة التالية أخذ الكرة واستأثر بها كما فعل أوجلان، وأقسم يميناً أن يحرز هدفاً وقد تجاوز كل المهاجمين المحاولين أخذ الكرة منه ولوحده، وحين وصل المرمى متعباً ،استطاع الحارس تيسير أن يلتقط الكرة منه بيسر، فضربته كانت خفيفة لشدة انهماكه ،في الوصول للمرمى
حين رأى جلال محاولات مسعود وأوجلان في تحقيق هدف على مرمى الخصم ، ترك مرماه وراح يسدد ضربة قوية من مرماه لمرمى الفريق المقابل، فطارت الكرة فوق سطح الجار الذي قام بدوره بتمزيق الكرة المثقوبة إرباً إرباً فهرب كل الأطفال إلى بيوتهم لشدة الخوف الذي اعتراهم من هياجه المجنون.
تغير الزمن وكبر الأطفال وأصبحوا شباباً
آزاد استشهد في معارك الباغوز ريف دير الزور  كان ضمن صفوف اليبك قوات حماية الشعب ، بينما اختفى أوجلان في سجون داعش وقت كان في طريقه من حلب لكوباني، حيث تم أسره في منبج مع مجموعة من رفاقه القادمين من الامتحانات ولا أخبار عنه ان كان حياً أم ميتاً .
أما مسعود فقد التحق ببيشمركة روج آفا ويقيم مع زوجته وأطفاله الست في مخيم دار شكران بهولير،
لهنك بات سياسياً وعضواً في الإئتلاف السوري الكتلة الكردية التابعة للمجلس، وسرخبون في روجآفا شمال سوريا، وبين فترة وأخرى يتراشقون الاتهامات كخصوم سياسيين ، ولا يجدون مانعاً من أن ينشروا غسيل بعضيهما عبر البثات المباشرة على الفيسبوك بين حين وآخر .
أما عن أخبار سلوم وأخوته وابني عمه وخاله، فسلوم تم قطع رأسه من قبل عناصر داعش أثناء مكوثه في قريته
مرعي وجاسم لقيا حتفهما في معركة عين دقنة بينهم وبين قوات حماية الشعب، أما خلف وحسين فقد انضما لقوات مجلس منبج العسكري، واستشهدا في حملة تحرير منبج ، تيسير خرج لألمانيا منذ خمس سنوات، ولا أخبار عن وائل ، والبعض يقول أنه عثروا على جثته في ليبيا، حين انضم كآلاف المرتزقة الذين خرجوا من عفرين لينقلوا إلى ليبيا عبر مطار استانبول، طعماً بالراتب وأملاً في أن يستطيع مغادرة ليبيا باتجاه أوروبا

. عبر إيطاليا
.
تشتت شباب الحي المختلط وتبعثروا كذرات التبن وسط الريح في خضم هياج الحرب المجنونة.

 

الثلاثاء، 16 مارس 2021

bêdengî ‎- ‏Rêber ‎Hebûn ‎


Bêdengî 
Bêdengî ,kêliya destpêkirinê bi gengeşeya hundirî , hawirek ji derdanê hest û rabûna wî ji dil, bîsteka nalandin û gazinda penî ye, û ponijîna gerdûnê,  ken û kûrtê wê ya bi êş e, bi dabeş û tevinên wê ya tevderbasbûyî.

Dema em tiştekî winda dikin, û ji kesên din   vedişêrin,  em bi beza paş, xulekên jiyanê bi westabûn, berdewam dikin.  

Xweşrabêran bi gihiştina xwe li kenara bîrêkirinê dibin, li ser asoya sipî de, em destpêdikin, bi ramankirinên  xwe  , bi sersamî , pêş buyeran bêdeng dimînin, hayhoyên me , bi pêtîbûn berdewam dibin.

Bêdengî zimanê avrazbûnê  ye, di zehmetiyên jiyanê de ,  rengên xwe, di gul  û qurçên giyanê de , namegerî dibe.
Ew kêliyek gewreyî ye, pêş reşbûna wateyê û resenbûna ronîbûnê, û berketiyên gewdeya cegersoj, bi sistbûna xweş û sawdar, di lêketina zengilê .

Temenê bêdeng , me wek asayîşekî lal disekinîne,  dema em li dor cîhanên xwe de dizivirn, bi rêya bêdengiyê , namesazên gerdûnê, şîretên sirûşt û jiyanê vedixun.

Em ji bêdengiyê , zimanek ji dilrûniştina taze diafirînin.
Em namegoriya hestbûyî a bêhindar, di rûberên zeviyên ên bi stêrkan xemilî ne saz dikin.

السبت، 13 مارس 2021

الإرادة المعرفية في مواجهة القمع- ريبر هبون

الإرادة المعرفية في مواجهة القمع
ريبر هبون 
 النقد برمته ليس باباً يتسع للحديث من خلاله عن كل شيء، يغزو فضول الساعي لمعرفة ما قد تخبئه  الحياة إلى جانب العديد من الأزمات التي تتشبث بالطبيعة البشرية لتكون بداية للدخول في شتى المفاهيم الموغلة في العمق الإنساني  على مسرح التناقض ،  ففي خضم تجربة الكتابة تتآلف القيم والمعايير في نسبيتها والحقائق بجوهرها لتشكل الإيقاع الذي ينشد للفن  وجوهر الحياة والفن هو جودة اللعب على حد تعبير (كروتشه) .
إن كشف الآثار المرضية في الطبيعة البشرية هو جل ما يشتغل عليه المعرفي في بيانه الإنسان وتعامله مع المادة لا كوسيلة تعايش سلمي إنما كغاية تمحو قيم الإنسان المتعلقة بالفضيلة التي هي مبدأ أولي طبيعي في تغيير الحركة التاريخية التي تتجه باتجاه وضع حلول للإنسان ،لرؤية واقعية قائمة على بناء الإنسان من الداخل ووضع  الحلول الكاملة لا أنصاف الحلول في بث القيم البشرية العادلة من جديد بين المجتمعات البشرية على اختلاف طبقاتها، حيث  يجسد الصراع مدى الإنقسام البشري والتفاوت بين المجتمعات المتقدمة التي تبتكر الأشياء وتفكر دائماً باستخلاص بدائل حياتية في حياتها ومسيرتها عموماً وبين مجتمعات ما تزال تعتمد البساطة والبدائية في التعايش مع الأشياء وافتقارها إلى آليات التعايش الجديدة والرقي في التفكير و اتساع الهوة بين الغني الطامح والفقير المتلاشي أي التابع ،  فالانغلاق ضد حيوية الأفكار، وهو الحائل دون أن تنهض القوى الخلاقة لتسمو بالحياة وترقى لتكون انطلاقة لأفكار عليا نهضوية تستقيم من خلالها الحياة المتجلية بطاقات أفرادها، بيد أن طبيعة الصراع ما بين الآمر والمأمور، ظلت عثرة في إعداد جيل يعتنق قيم النهضة طواعية، ولكن العائق أمام سمو الإنسان بحياته، هو التعسف والإكراه، حيث الإنسان طاقة لا متناهية إن أحسن ضبطها وتقويمها بما هو ضروري، فسوء الترشيد والاستثمار ، ينجم عنه الإحباط والفشل، على عكس التحفيز لما له من نتائج إيجابية قادرة على قلب معادلة الحياة الصعبة لحياة أكثر يسراً وإبداع وطاقة.
حيث لابد من العمل على مبدأ التأثير الوجداني إلى جانب بروز الفكر المتقد بما يحمل من لذاعة وقوة، ولعل الانفجار الشعبي في ماهيته استجابة لمنطق التغيير الحتمي، طبيعة العلاقات المضطربة القائمة على الخوف والاحتقار، إذ تحبط القسوة معنويات الذات، وتجعلها في حالة استنزاف نفسية، ناهيك عن جهود الأفراد في العمل وبذل الجهود على عكس القائمين على الإدارة ، تتنازعهم شهوة السلطة فتفقدهم مرونتهم الجوهرية .
ولاشك أن لتأثير الإيديولوجيات الشمولية دوراً في زعزعة استقرار المجتمع، وذلك بتحكمه بالفرد، وحصر ذهنيته بالشعارات ،والأدعيات وما هنالك من طقوس تنحو منحى التسليم بمقتضيات الحاكم وشؤونه دون منازع، إلى جانب تجسيد روح الخواء داخل الشخصية، إثر تعليبها، وجعلها تعيش داخل دهاليزها الخرافية، دون أن تفكر بفداحة الركون لرواسب السلطة ومفاسدها، وتحكمها بالعقل الفردي، وإقصاءه ، بل إخصاءه، وكذلك فإن خواء ذهنية الفرد واتخاذه قطيعاً ، يؤدي لبروز العاهات النفسية وشيوع مظاهر الفوضى والاغتراب المزمن، فتأثير المخدر لا ينجلي إلا في لحظات بدء الدمار والخراب، إثر عهود غشاوة وخوف، أدى بسيادة ثقافة القطيع بالتزامن مع ترسخ المنظومة الشمولية وتجذرها عبر نمط سلوكي متصل بالعوائد والطقوس الدينية إلى حد كبير..،فنكران الموت، مشتق من تشبث المرء بالحياة وأخلاقيات التعايش بين البشر.
-ثنائية الأنا والآخر :
 يكشف الأدب عن حقيقة هذا الصراع بطرائق وجدانية ليست بعيدة عن التساؤل، والجدل الفكري المتصاعد، حول التعريف بجدلية الأصالة والمعاصرة، بما لا ينفصل مطلقاً عن موضوع الأديان وتأثيرها الميتافيزيقي على النفس.
حقيقة الصراع المستمر بين الأصالة والمعاصرة،من بعدها الفلسفي  تذكرنا بنظرية مركب النقص لدى يونغ و ادلر وتقسيمه للشعور إلى نوعين ، لا شعور فردي ولاشعور جمعي، وما بين الفرد النخبوي المتطلع للجدة والترسل باستقبال التغيير وبين خليط العادات والمفاهيم الشعبية التي تشكل الثقافة المجتمعية ، مفارقة مرتبطة بجدلية الحياة والصراع نحو الأفضل.
  يحرص  سارتر  في جعل الآخر جحيماً،كون  الإنسان لا يمكنه إنقاذ نفسه من تساؤلاته وآلامه ، حيث يبحر في الوجودية ، ليجد أن الآخر يمثل للمرء العائق،  وبكل الأحوال يبذل المعرفي المبدع مجهوداً في ظل أي خطاب أو نص يحمله للمتلقي ليبرهن عن ذات المشكلة الوجودية التي تؤرق مسارات حياتنا برمتها، إذاً فالإنسان الوحيد من يحمل خياراته إزاء الوجود المعلن ويتحمل نتائج اختياراته ونعوته، تجاه الأشياء والظواهر، وكما أن الآخر يشكل العائق المثالي لصيرورة حياتنا برمتها، غير أننا ندين له بالفضل ، كونه الحلقة الأهم في تعرفنا على ذواتنا وكيفية الأخذ بها في الحياة، جدلية الذات والآخر في سياق البحث عن المشكلات الوجودية، ومعرفة المدى المجدي من الخوض فيها، ولعل وجودية الوجع في ذاكرتنا تتدخل في نظراتنا الجدلية لحتمية مسار الحياة القائمة على الارتقاء للفناء ، ولكن ديمومة الماضي في الإنسان تزداد تأصلاً وما تلبث أن تطفو على السطح ، وفي حديثنا عن سارتر وبيان مقولته أن الآخر يمثل الجحيم ، دلالات هامة  فهنا قال سارتر في مسرحيته (الجلسة السرية) إن" الجحيم هم الاخرون ".، الأخرون الساعون لإثبات منهج حياتهم، وكذلك لإغراق ما في جعبتنا من أهوال وعوائق يزرعونها جاهدين في طريقنا وهكذا فإن المسعى الإبداعي الذي نبثه في دواخلنا يمهد لجدلية الأنا والآخر على نحو مفصح أكثر،فنقول أن العاشق مثلاً يطمح إلى ان يرى ذات المحبوب تتلاشى في ذاته، بينما في صميم المشهد الواقعي نجد أن الأفكار تتهافت لصنع مذهبها الحي بعيداً عن الرؤى الوجدانية المباشرة، فلاشك أن الرغبة في الحل والاحتكام لمنطق أن الحياة هي خليط من مفاهيم غير مستقرة، وأحلام تغزو المرء ، وما تلبث أن تنال منه قسطاً يسيراً من التأمل، مما يجعل الذات المبدعة تحاول جاهدة للوصول بالحقيقة الإبداعية إلى مبتغاها الهادف ، وهو صناعة طرائق مفيدة من الارتقاء بوعينا التحصيلي الناتج عن خبرات وحوافز وإمكانات نتبادلها من جوهر هذا التنازع ، ففي موضوع سعي المحب للتوحد بجزأه الآخر وهو ما يشبه علاقة المبدع بأدوات إبداعه ومن ثم بوجوده ، بيئته ومشكلاتها، فلا شك أن ذلك يتحقق بعملية الإندماج الكلية مع تلك القضايا لتصبح العامل الأقوى للإبداع،فالاندماج مع الذاكرة  هو  غير ذلك الاندماج المتحقق في العلاقة الوجدانية بين الرجل والمرأة،ولكن يوم يتحقق هذا الأندماج، يفقد العاشق شخصية من كان يحب، ويستعيد عزلة (الأنا)،  نجد أن الأنا هنا هي المفصحة عن خيارات الذات في تشظيها وبحثها الدائم عن حلول لوقائع تتوسط الماضي والنزوع الاستشرافي للمستقبل، ثم أن كان الحب يعني رغبتنا في أن نحب،  فهو يعني أيضاً انقيادنا نحو سبر ماهية الارتقاء للأفضل في طلبنا الخير الأقصى بمسماه الواقعي، فالهاجس الإبداعي برمته  يمعن أكثر في إشكالية الذات والآخر، واصفاُ في الآن ذاته سعي الذات للتوحد بالآخر وجدانياً ،فهو يعني أيضاً أن يريد الآخر حبنا له أي أن يكون في حاجة إليه، من هنا تتحقق جمالية المسعى ، وكذلك يتحقق الشرط الإبداعي في البحث عن الحياة التي يرتقي لها المعرفيون في المسير بهذا الموج المجتمعي نحو حقيقة الوجود الحر المحكوم بالجمال، رغم جدلية التنازع القائمة في كل ركن وصعيد وتحكمه بكافة المسارات والميادين المختلفة،إذن فوجود العاشقين هو في تنازع دائم، كأي وجود آخر، فكلما كان الإمعان في ذاتنا عبر مرايا الوجود ، كلما بانت حقيقتنا الجميلة أكثر واتسعت باتساقها وتناغمها مع الطبيعة، هكذا يكون الوعي بالجمال خالصاً، وتكون للحكمة دلالتها، كون الحكمة هي ابنة الجمال الكامن في الوجود ، ولا يتحقق وعينا بالوجود دون إيغالنا بالسحر في هذا العالم المكتظ بألغاز النشوة الخلابة ، عبر التجوال في مداه المطلق، للتعرف على الذات ،وهكذا فالوجود الذي بدأ لنا كأنه النعيم المقيم  لا يمكن أن تنجلي خباياه ،لو لم يكن ثمة وعي فردي هو الأنا، الأنا التي تعمل وتكدَّ وتقرأَ وتسبر الأغوار، فهذا يشكل حقيقة نشدان المعرفي للخلاص من قيود المفاهيم المتحجرة، ولا يدرك المرء نعيم الانسياق لمطلب الحب ، دون التأمل في مجريات الزمان والمكان في توأميتهما، حيث السر الأجمل في استدعاء الجوانب المتعلقة بالفن والعلوم الإنسانية، ينبجس كل شيء من خلال جدلية الفرد والطبيعة، في خضم الموجودات، ويبان ذلك المجتمع في ظل الترابط المحكم بين أنسجة الإبداع الحي المقيم في الوجود ، وبين مطلب الذات الفردية في التقصي والإبداع والإيغال بعيداً نحو الجمال، وما النقد إلا جزء مكمل من العملية الإبداعية، وهو تماثل آخر ووجه مقابل لجدلية الفرد والطبيعة، الوجود والموجود، المبدع للنص، والموغل للنص، الفلسفة وشارحها، إن هذه الثنائيات المتقابلة، تستكمل فصول بعضها الناقصة، حيث أن النقد يتغذى على النص الجاهز، وحيث أن القيمة الإبداعية تنجلي بتمامها حين الإيغال التحليلي التأملي في ثناياها، وهكذا دواليك.. هنا إشارة مهمة للآخرين الذين يحولون بيننا وبين حياتنا وتأملاتنا، حيث يبقى وجودهم الجحيم المهدد لكل ما نحتاج ترتيبه لحياتنا، ولاشك أن ذلك العائق الذي يقف بين الذات والتأمل الخالص، هو الذي يتحول مراراً إلى جحيم وشر، بسبب وجود الآخرين، غير المدركين لجهود المرء لصيانة الروح، وتنظيم دوافعها واحتياجاتها، غير الآبهين للجمال الذي يكمن في الجموح للطبيعة ، والاستفادة من مزايا الجمال،  هذا ما جعل الغضب والحنق هو النتيجة التي تتصدى لقوى القبح والتشويه، التي تقف حيال أفكارنا وأحلامنا وطموحاتنا في تلوين حياتنا بالجمال والتأمل والمعرفة الدؤوبة،  جدلية وجود المبدع إزاء العائق البشري، العلة الكامنة إزاء صيرورة الإبداع ونقاءه، حيث يكون الآخر متطفلاً على الإبداع، غير عارف أو آبه لقيمته الداخلية ، في إشارة أن وجود الآخر يمثل الإشكال عادة في السير بالجمال لمساره المأمول، حيث نجد سارتر يرى في الآخر العلة ، ويرى وجودنا كذات عالة عليه ،فيقول سارتر: "..الغير هو الآخر، الأنا الذي ليس أنا.." وهنا تتكون الرؤية المعرفية نحو تحسس مفاتن الجمال، والانغماس في مدلولاته الحميمة، والانقياد إليه، يهبنا آليات دفاعية تتلخص في إبداء الحرص عليه، إزاء فئة تستعبد هذا الجمال، وتقصيه، لماذا التنازع؟!، هنا يمثل في الحقيقة الهدف من الصراع وتلك الجدلية الوجودية، حيث ثمة فئتان ، فئة مرهفة مبدعة تسوس حياتها عبر اعتمادها الحياة الفطرية، وما يتخللها من إيمان بجملة قوانين ، عبر يتم تنظيم الحياة بمثالية ما، وهذا ديدن الطبقات الباحثة عن حياة أكثر هدوء ومعنى في الصميم الذاتي، مقابلها فئة منفعية تؤمن بالاحتكار، والسلطة ، كونهما أس حياة هذه الفئة ومبلغ اهتمامها، إذ أن الجمال بالنسبة لها هو حيازة الأشياء، وتجلي الجمال هو في الربح والنفوذ، إذاً هناك مذهبان متمايزان واعتماداً على حجة (تحليل لغوية) تتمثل في تأويل وتفسير كلمة (ليس) نجد أن الحياة لا تعاش إلا على مبدأ التنافس والغيرية، في تقديم مذهب على مذهب، وكذلك اللعب المكشوف على وتر أن البقاء للأجدر، الزخم الإبداعي في تصادم مع العبقرية النفعية، وجل مطمح العلوم الإنسانية ، أنها تبحث عن الإنسان خارج دائرة العلم المرتبطة بقيود العقل وتصوراته، وكذلك بعيداً عن الجنوح العاطفي في اعتماد الوجدان كميزان لتصحيح المسارات المغلوطة التي اعتمدها البشر في أطوارهم التاريخية المليئة بالمغازي والعبر في تطويعهم الفكر لأحد تصورين إما الاسترشاد بالعقل المطلق أو العاطفة المطلقة التي لا تؤمن بأن المعرفة قادرة في جوهرها على استيعاب كل شيء بما لا يتفق مع مذهب العاطفة التي تدين بالروحانية التقليدية حيناً وبالتجرد نحو الإبداع حيناً آخر ، حيث يستنتج سارتر أن هناك عدم وانفصال وتباعد بين (الأنا) و(الغير).
الحروب التي تشن على الأنظمة شرق أوسطية بزعم تغيير أنظمتها ، هي في الآن ذاته تحمل في جوهرها استبدال المأساة بواقع يتخلله الضجيج والافتراء والفوضى، في إشارة إلى أن التغيير لا يفرضه الخارج، بل تقف خلفه الإرادة الجماهيرية الواعية..، فالإدراك لضرورة التغيير هي حاجة المجتمعات، لكن القوى الخارجية من تتلاعب بخيوط اللعبة ظاهرياً، حيث الصراعات التي لا تكاد تتوقف وتهدأ، و الواقع السياسي المتلظي بنيران الاستبداد والتدخل الخارجي، فإدراك المعضلة الحاصلة في جذور المجتمع المكبل بأغلال الوصاية وتفشي علل السلطة في مؤسساته، هو المرجو في عملية إنتاج النص الإبداعي، وقد تم اعتماده ، لجعل تجسيد الواقع والفكرة الممثلة الحل، هو جل الحيز الذي يشغله النص ، الشارح لمظاهر التفسخ والتشرذم وغياب البوصلة، فأي إدراك يقف عند مستوى الجسم وما هو ظاهري، يصبح معه الآخر مجرد موضوع أو شيء، لكن في واقع رصد معاناة المجتمع، كان لابد الإشارة إلى أبعاده النفسية، ومآلات النظام القمعي داخل بناه ، والفوضى الحاصلة التي رافقتها الصراعات الخارجية، والحديث في ذلك الموضع طويل وشائك ،وفي الحرب تتضاءل إمكانات السعادة الهادئة، فيصبح التأمل في المكان المدمر، والاحتجاج على الانتهاكات التي استقرت تماماً في قلب الذاكرة، حديث الشجون أبداً وكلها طرق لمدواة تلك الكرامة المستباحة تارة عبر سياط الجلاد ، وتارة أخرى بسبب الحرب التي ما انفكت تدور رحاها لتفتك بالآمنين،حيث يتم التقاط أفخم صورة لأبشع لقطة جريمة مبتكرة،  نجد التركيز على معاناة المرأة في الحرب، كونها تحتمل كل تداعيات ونتائج الحروب التي يصنعها الرجال، ذود النساء عن الأبناء الجرحى، اعتماداً لتجسيد علاقة الإنسان بالمكان، علاقته بالآخر، وكذلك نظرة المجتمع للمرأة من كونها المخلوق الأكثر تحملاً لغطرسة الحروب، مما يستدعينا هنا للنظر إلى الحدث استناداً لتعامل الإنسان معه ، كمغزى لتلك العلاقة بين الأنا والغير حيث يقول سارتر: "..أن العلاقة بين الأنا والآخر هي علاقة تشييئية ما دام أن كلا منهما يتعامل مع الآخر فقط كجسم أو كموضوع أو كشيء، لا تربطه به أية صلة.."  والرصد  للحدث انما هو بحث عن هذه الجدلية برمتها، وكذلك عقد تقابلات وروابط فيما بينهما، إيجاد المغازي في تقابلاتها، وإخراج المشاهد لساحة التأمل، لتكون ميداناً للاستقصاء والبوح الأعلى في نسيج الدراما الوجدانية، العاكسة للأفكار على نحو مختلف، فلا ينظر للجانب الدرامي إلا من سياق جدلية الذات والآخر،  كونه العاكس لحالات الإنسان وأطواره المختلفة مع ما يقابلها من سبر نحو ماهية الترابط الفكري الكامن وراء عرض المشاهد، وإبداء المواقف المباشرة تجاه الحوادث الحاصلة في المجتمعات ، والمتحكم بمصائرها، وطرق تفكيرها وآليات بثها لاعتقاداتها، ولاشك أن العلاقة المكانية منحصرة في جدلية الثنائيات، وما بينهما من علائق وعوائق متباينة، وإن تم ذلك البحث عن القرائن التي تحصر علاقات المجموع في سياق الجدلية التي تعم كافة الموجودات على اختلافها،  فلا تفصح الكتابة فحسب عن الحديث في نتائج الجدلية الجارية في الوجود بقدر ما تحاول نقل ذلك كحصيلة تجارب للإنسان ضمن سياق التعاطي الدقيق للعلوم الإنسانية برمتها كونها تجعل من الإنسان المحور والغاية الأساس لفاعلية وجودها.
لنتأمل مقولة يوحنا جـ. استوسينجر في كتابه لماذا تذهب الأمم إلى الحرب،" إلى أن كلا الطرفين سيدَّعون أن الأخلاق هي مبرر قتالهم. وهو ينص أيضاً على أن الأساس المنطقي لبداية الحرب يعتمد على تقييم مفرط في التفاؤل لنتائج القتال (الإصابات والتكاليف)، وعلى التصورات الخاطئة لنوايا العدو. " 
المقامرة هي التي أودت بالمجتمع إلى نفق هاوية غير معلنة ، قادتهم ليكونوا وقوداً لجشع أرباب الاقتصاد ومافياته، وهذا ما يحيلنا للعودة لسارتر حين قال : " الأنا لا يدرك الغير كما هو في ذاته، بل يدركه كما يتبدى له ضمن حقل تجربته الخاصة، وهذا يعني أن نظرة الأنا للغير هي نظرة اختزالية وإسقاطية، فضلا على أنها نظرة سطحية ترتكز على كثرة متنوعة من الانطباعات الحسية، ولا تنفذ إلى أعماق الغير من خلال الاقتراب منه والتعاطف معه.." وجوهر القضية هو دوام التصارع وتغليب التوجهات على أخرى، ضمن اللاحل، حيث يتهافت البشر على التشبث بقناعات على حساب إنكار أخرى، ويعمد المتحكمون لتسعير هذا التنازع وفق مصالحهم وأجنداتهم، وهكذا فالنظرة تجاه الغير هي حقاً كما رأها سارتر اختزالية بمعنى أنها متمحورة في نطاق الأنانية العملية المتشبثة في ماهيتها بقناعات تسيرها، وإسقاطية تعتمد على الواقع في بروزها نحو جملة المنافع المحددة..،  لعل في رحلة البحث عن الأفضل ، في تفاصيل النص التأملي، تكشف لنا النقاب عن الفترة التاريخية المتشظية بالأحداث ، وعن المعنى من الكتابة الواقعية، التي تتخللها الأفكار المفصحة عن تصورات كان لابد منها أن تشكل سجالاً كثيف المستوى بين الناس، لا أن تصل النخبة دون عموم الفئات، حيث لا تحتمل الكتابة الواقعية الحقة، أن تكون حبيسة الفنون الكمالية، بل تحت الطلب دوماً كونها عاكسة للحاجات الإنسانية الطبيعية، وهي بدورها ترتقي عن النصوص التخييلية ، حيث الأخيرة تخاطب الذائقة وتداريها، بينما النص الواقعي خلق كخطاب تهييجي للجماهير المتعبة، ففي زمن تصارع النظم الاستبدادية واستماتتها للبقاء وصية على جماهير تعاني من الغليان المستتر.

السبت، 6 مارس 2021

مقتطف من مقابلة .Hevpeyvîn@Rêber Hebûn ريبر هبون#di-kenalê-me -li-ser-Yo...

المعرفية عقيدة الوجود الواحد- ريبر هبون

(المعرفية عقيدة الوجود الواحد)
*ريبر هبون
تنعدم الحقيقة المعرفية باستسلامنا للتطرف الذي هو العائق الخطر ، ويقف حائلاً دون بلوغ المعرفيين لوجود جميل خالٍ من الدمار، وماهية التطرف متأتية من صفة التقديس ، وتنشره القوى ذي المصالح في منظومة المجتمعات المكممة الأفواه, فتستفيد القوى المهيمنة من وجود التطرف عبر سياسة خلق الأزمات المتتابعة، وتطوير قبضة الاستخبارات والمخابرات الراصدة لحركة الجماهير وخلق جهاز مخابراتي أمني متطور وفعال في أوساط النخب المعرفية الريادية المنبثقة عن الشعب، من خلال تغذية الأجهزة الأمنية بالعنف المركز، ونشر التطرف عملياً يخدم المصالح المادية والاحتكار الرأسمالي ، ويضاعف من فرص الربح والاستغلال، وتكريس اللاستقرار والصراع الطائفي أو الحزبوي أو القوموي، الذي يسهل من ازدياد أمراء الحرب وأغنياءه على الدوام , من خلال إشغال الشعوب المتخلفة سياسياً وكذلك إبعادها عن التنظيم الإجتماعي، لخلق فجوات دائمة وعميقة تسهل من خلالها عمليات الإحتكار وفرض الوصاية والتدخل الخارجي ، وبالمقابل تغييب العقل المعرفي الواعي ، الذي هو ناقوس خطر بالنسبة لمنظومة المافيوية العالمية التي تؤسسها الرأسمالية المتضخمة الهدامة، ويفسر ذلك على غنى البقاع بالموارد الاقتصادية ويدل على حاجة الدول المهيمنة للتحكم  بهذه الموارد من خلال وضع خارطة تقسيم وتفتيت وتكريس نزاعات مذهبية قومية في تلك المناطق ، وأنموذج التطرف يمس هياكل المؤسسات والأحزاب التي تحافظ على قيم الاستبداد والإقصاء والفساد، وانتشال كل البنَّاءين المعرفيين الذين يحاربون التحزب المفرغ وغياب النظام الحقيقي الذي هو روح الوجود، ويرى المعرفيون في تأسيس تجمعات أشمل تضم العديد من الأحزاب والتيارات والجمعيات خياراً حتمياً للتخلص من جمود الذهنية الشمولية والمركزية المترهلة المقصية لإرادة المعرفيين الباحثين عن حقيقة التنوع والتماسك والعمل وفق المسار الصحيح، ومن خلال طرح مبدأ التعايش السلمي لإنتاج النخب المعرفية  ووقف الحروب التي تعد دلائل إفلاس، فاستبدال الإبداع بغريزة الطمع والانجرار للأزمات، أعاد البشر لمخاض الحروب التي يقصها علينا التاريخ القديم وميثولوجيا الشعوب ، ونرى خير عبرة عن ذلك في روما وحضارتها وسلطتها  ومظالمها ومن ثم سقوطها في أوكار نزاعاتها السلطوية، ولابد من توجيه جلّ الصراع ضد قوى الجهالة المتمثلة بدعاة صناعة الموت ، هذا الواجب المعرفي الذي يعد مفتاح فهم لكل الديانات والتصورات والتيارات والمزاعم الموجهة لصون الإنسان والوجود من خلال تمتين القيم..
والاتجاه المعرفي خال من التنميق ومن ثقافة البعد عن الحقيقة من خلال الهرولة نحو سباق التحزب النفعي السلطوي ، لذا تعمل المعرفية على تحديد مسار المعرفي انطلاقاً من مبدأ المحافظة على الوجود من خلال نشر الحب الطبيعي،  بالتمسك بالعطاء وبذل الجهد ، فكما نرى أن قيمة التضحية معمول بها لأجل الدفاع عن الاتجاه أو التصور الذي يعتقده مجموعة أفراد ، فلاشك أن من يبذل هذه التضحية هو المعرفي الذي يسعى لإحراز وسام محبة للإنسانية قاطبة ، كون أن هذه التضحية نتاج جهد معرفي حقيقي وبذلك فالمعرفة موقف نبيل وانتصار لمجمل العقائد والتصورات الروحية والفلسفية التي آمنت بالوجود والموجود ، وهي بذلك تقويم لكل الأفكار السلوكية التي تدحض الأنانية وتشجع على الغيرية، وهي حصيلة احتكاك الكائن الإنساني بالوجود..
والمعرفيون حماة كل معتقد سليم ، إنهم برسالتهم الحب وجود والوجود معرفة يزيلون الحواجز العميقة بين الأديان والفلسفات مادية كانت أم روحية، ويفخرون بخصائص الشعوب وتنوعها ، ويحاولون إيجاد سبل تنظيمية جديدة في علاقة الناس ببعضهم، وينبذون الخلاف، فهم درع واقٍ لمختلف العقائد التي تنتصر للحياة والإنسان..
ولكي نعي الوجود الذي نحن فيه نتساوى من خلال ثالوث الإدراك والوعي والإيمان، يجدر أن نكون نواة لمنظومة المعرفة المؤثرة في النفوس التي أجهضت إثر عملية الوعظ التي رسختها قيم الأفراد المتألهين لصالح المنتفعين الذين يخفون وراء قناع النهضة مصالحهم الضيقة،ففعل الحركة فعل حتمي يستدعيه الوجود بطبيعته على الكائنات برمتها ، فالفكر لابد من أن يخضع للإجتهاد والتأويل والتفسير والنقض، لا بديل عن هذه الحقيقة التي يعمل المعرفيون على نشرها ، فالعقلية الإقصائية واضحة بضعفها والفكر المعرفي المنبثق عن وحدة الوجود من خلال نشر فلسفة الحب ، لهو المعبِّر الراقي عن هذه النظرة الثاقبة والقوية التي يمتلكها المعرفيون نحو الحياة والإنسان ، لذا فالناس لا تشعر بجوهرها سوى باتحادها كتجمعات معرفية ضخمة، تعمل على كسر الحواجز ، حيث توقن أن الصراع الدائر بين الدول وداخل كل دولة ، يكمن في تجاهل توزيع الموارد ، أو احتكار السلطة من خلال استمرار التوريث، وكلاهما نتاج قهر تاريخي متراكم إزاء جهل سببه الجشع والبطش، فالمعرفيون يدينون بالحب كفلسفة تدعو للتغيير، لتحصيل أقصى درجات السعادة والرفاهية وتحقيق قيمة الإنسان، وصون الوجود كضرورة لاستمرار الحياة..
فالجمال الحسي ما يلبث أن يذوي وتتجلى عندئذٍ قوة الحب في خلق إكسير الحياة ، ويرى المعرفيون في الموت بأنه زوالٌ القوتين الروحية والمادية أو انعدامها لدى الإنسان ودخوله لمتاهة من الضياع والجهل والانغلاق, ويميزون بين الموت والفناء، فالموت هو موت القلب , الضمير والإحساس بالآخر وفقد المعرفة وتغييبها ، وأما الفناء فهو انتقال الإنسان من كونه سليل الوجود إلى عودته للتراب ، لأن الإنسان من الوجود فهو تراب..
والمعرفيون يرفضون التقوقع الأناني الغريزي  وراء الأوسمة والألقاب فيرون في الحب هوية وفي المعرفة قومية، فالمجتمعات المعرفية تربط نفسها بجمال الوجود من خلال تمرسها بالفنون والآداب ، من أجل ضمان رفاهيتها ومنفعتها التامة..
من هنا نستطيع القول أن قضية الإنسان الكبرى هي قضية المعرفة المبنية على قاعدة المحبة وثقافة الاختلاف, فالحياة ملك المعرفيين الذين هم سر تطورها ونهضتها نحو الأفضل، والأمم تحتفظ بوجودها وتحافظ على تنوعها في ظل هيئة معرفية عليا قادرة على حل المعضلات التي تخلقها القوى المادية إزاء الأمم الضعيفة اقتصادياً، والاستراتيجية القومية القائمة على الفروض العقائدية المتطرفة بعيدة عن التطورات الكبرى الحاصلة في العالم المتمدن, أما الاستراتيجية المعرفية فهي حلقة وصل قوية تربط مصالح الأمم بعضها ببعض على قاعدة الانتماء للوجود الواحد, حيث لا وجود للحلول الأحادية الضيقة , طالما تنوعت المدركات العقلية للإنسان تبعاً لبيئته وتنوعت فلا سيادة دون معرفة حيث تتحقق العبودية بالممارسة الإقصائية الاستغلالية ، فحين يتضاءل الحق عند الجزأ يتأثر الكل, والقومية الحقيقية بمعزل عن الاحتكار وأساس نشوئها معتمد على التشارك في الطاقات والإمكانات حيث تتجلى باتحاد المعرفيين على اختلاف تواجدهم وتوجهاتهم فهم أمة واحدة من خلال مواقفها ضد الفظائع والمآسي التي ترتكبها منظومة محاكم التفتيش الجديدة ، والوجود وطنهم الشامل..
إن القوة الحقيقية التي نستطيع بها حماية الإنسان تحتويها القوة الأخلاقية المنبثقة عن الحب، والتي يمكن من خلالها أن نراهن على استمرارية الثقة بين الناس ويمكن خوض الوجود لاستخلاص المعرفة التي تنقذ الملايين من العوز والجهل والبطش، ويفسد الكل بفساد الجزأ، ومن الوجود الجميل ندرك الحياة  وجمال المسعى نحو الحقيقة المطلقة في المعرفة ، فرسالة المعرفيين تتلخص باستكمال هذا الصراع النبيل بينهم وبين قوى الجهالة ، والخطوات العملية تبدأ أولاً من الإيمان بوحدة الوجود ووحدة الدماغ البشري الكلي المتمثل بالمعرفة ، ولا يمكن البدء بأي حركة تغيير ما لم نؤمن بهذه الحقيقة التي يراها المعرفيون أملاً في الخلاص , والحل هو في إعادة إنتاج قادة عظام ليس على غرار ما سبق بل نحو الأفضل وما يتلاءم مع روح العصر وهذا يعني أن نتوقف عن تقديس رموز معينة بذاتها القصد منها تجميد العقول وتفريغها ودمجها بالتبلد والترهل والاعتكاف بما هو جاهز ومسلَّم به , بل نحو الأفضل شرط أن لا نقف في مسيرة النشء القادم كعثرة ، كذلك يؤمن المعرفيون ببعث الإنسان الجديد وبالمقابل يوقرون جهود الأسلاف السابقين لخوض معارك الوجود وحمايته من أخطار الإنسان الأناني، لأجل انتصار الحقيقة المعرفية القائمة على التحرر الوطني المنفتح على بقية شعوب الجوار والعالم برمته،حيث يرى المعرفيون في نشأة الأمة المعرفية الاتحادية، بديلاً عن الحدود الجغرافية التي بناها السلطويون الأعداء لكل سلم بشري، وما يجمع الإنسانية على اختلاف انتماءاتها وبرامجها هو الوجود المهدد بالفناء والكوارث التي تفرزها الحروب التي يصنعها الإنسان، ويجدون في التاريخ بدعة القائمين على تحصين الأنانية كمذهب عالمي، لكن الواضح والجلي لكل مدرك أن ما بلغه الإنسان هو بفعل إعمال العقل المبدع والمحب والمعرفي، فالوجود الوطن هو دعامة الوجود الشامل والمعرفيون في كل مكان مطالبون ببناء أوطانهم وتنظيفها من المخربين والسذج، ليعش المعرفيون أبناء الوجود ، لأنهم وحدهم الجديرون بالعيش كونهم تجاوزوا العادية، وتلقي التعليمات المغرضة، لقد آمن المعرفي نيتشه بالإنسان المتفوق ماقتاً الإنسان العادي كون المتفوق هو الجدير بالخلق ، والعادي هو الأقرب إلى العاهة والتطفل ، فوحده الوجود يرقى بفضل أصابع البنائين المعرفيين،أما الوقائع والشواهد والإثباتات التاريخية فهي أباطيل السلطات المتقوقعة في عزلتها وغيبوبتها عن مطالب الشعوب عبر التاريخ..
إن أصحاب الحلول هم كل معرفي قدم حياته ثمناً لتقدم أجيال من بعده وكل كتابات وجهود أصحاب الحل تنحاز إلى الحب والوجود والمعرفة، أمام جمع غفير من الطغاة أمثال فرعون و نيرون، هتلر وستالين وصدام ، دوماً هذا الصراع هو المتجلي عبر التاريخ، والانتصار الحتمي هو لقوى المعرفة على الإطلاق، ولم يكن للمستبد أي فضل بل هم الكارثة التي لا بد من وقف احتمالات وقوعها ونشوبها وتوغلها كالسرطانات في الوجود والمجتمع، والقادة بحاجة لنصر الجند حتى يذكرهم التاريخ ، والجند إذا أعملوا عقولهم وقلوبهم فهم يساوون عملياً كل القادة الجالسين في مراكزهم مشغولين بصك البنود والاتفاقيات وتوجيه الأوامر ومتابعة قمع الخصوم الذين يهددون مركزهم المرموق، ومن هنا كان للمعرفيين هدف أسمى في مكافحة تجهيل الناس وتخديرهم بالشعارات وتحويل البشر إلى رموز معرفية ومحو ذهنية تأليه القائد ، فالهدف الذي ينشده المعرفيون أكبر من القضايا الايديولوجية الحزبية ، ويبدأ من صميم المؤسسات والأحزاب والتيارات في كل دولة أو اتحاد من خلال التسلح بفكر الحب وجود والوجود معرفة وبث النهضة والانتعاش في روح هذه المؤسسات والأحزاب في كل أنحاء العالم والالتفاف نحو القواسم المشتركة التي من شأنها إلغاء الحواجز وتجاوز أزمات الماضي والانفتاح للمستقبل العالمي
إن ما يجمع الأمم هو تنوع هوياتها الثقافية وهذا التنوع يخدم الوجود والنهضة الإنسانية عموماً، وكل بناء معرفي هو لخدمة الإنسانية فنرى غاليليو وعبد الرحمن الكواكبي وأبي حيان التوحيدي، سقراط وفان كوخ ، غوركي ، ألبير كامو ، مانديلا،  وغيرهم العديدون ساهموا بالبناء المعرفي كلٌ في موقعه وثقافته وشعبه محققين العبرة لتجارب كل شعوب الأرض على حد سواء..
جميعنا نمثل هذا الدماغ الكلي للبشرية..
والمعرفيون ترس متين لكل دعاة الخير والحق والجمال، ولا يمكن فهم الوجود دون الإحاطة به بمعرفته وإدراكه كجوهر ذاتي ولا يمكن استيساغ الشيء دون حبه ، فلنتخلص من عنجهية الجشعين والجهلاء لقيمة الوجود .
المعرفيون من طينة واحدة لأنهم مجبولون على الفطرة الطبيعية والسلام ومكافحة الجهل والخرافة إن لسان حالهم يقول : لنكن من حلفاء الأفكار الطبيعية وإن اختلفنا في أساليب طرحها، باعتبار أن النهج السلوكي هو الذي يحررنا من العادات والغرائز التلقائية،  نحو نهج فلسفي لا حدود أو سقف له،  لتطوير حركة الموجود الإنساني في تفاعله مع ظواهر الوجود وعلاته وتغيراته..
فالأزمات السياسية التي تعاني منها الدول نتيجة غياب مرجعية دولية حقيقية بالمعنى الإنساني الأمني، يمكن وضعها على طاولة الحوار لأجل مستقبل الوجود من خلال خلق برامج سلوكية تضع مصالح الدول المنكوبة على قائمة الحل، والفكر الصحيح يقودنا لتحسين مستوى الإنسان في علاقته بالآخر لأجل الاتفاق على حماية الوجود من صناع الموت والتفكير الظلامي ، لأن المعرفة رسالة حقيقية لأجل وجود ماثل أمامنا ندركه من خلال أنفسنا والآخر ، وما الإنسان سوى طاقة محدودة بالوجود  ساعية لنيل الريادة المتحققة بالمعرفة التي تعني جوهر التقدم والتغيير في الوجود...

السبت، 27 فبراير 2021

تأملات معرفية- ريبر هبون

                           ((تأملات معرفية))
*ريبر هبون
 
المعرفة  جسدت الدلائل العميقة على معان الوحدة الروحية التي تأصلت في علاقة الإنسان بالوجودمن خلال الإكتشاف الذي أعطى بودراً إصلاحية عميقة البحث ،لمضاعفة نسب الانجاز ومحو الانحرافات التي تؤدي بمسيرته الحضارية ومكتسباته إلى الفناء والضياع والانحلال ، فالإكتشافات كانت مبعثاً ضرورياً واضطرارياً لتصحيح المسارات حرصاً على البقاء ودعماً للبناء بشكل قيمي يستند إلى الإخلاص والتفاني والمحبة لرسوخ القوة، من خلال سمتين مهمتين لتحقيق العمل  وهما المعرفة والحب 
-المعرفة: عماد كل سعي،وأساس هام لبذل المجهود العال للارتقاء ، مبعث ارتياح لمسيرة الإنسان والجماعات البشرية من خلال وحدة مصائرها ،وضرورة إنقاذية لتصحيح المعوقات والنهوض بسلوك الجماعات لأجل ابتكار البناء الذي يقلص من إمكانيات الفشل ويضاعف من فرص النجاح..
-الحب :وهو إدراك عالٍ من قِبل المتلقي لسبر الغور في الحقائق المبهمة لإزالة غموضها وإبهامها ودفع الشك عنها ونضوج سريع بغية محاربة الضعف ومكامنه في شخصية الفرد،وبيان قوته من عظمة الوجود وأصالته، إنه ركيزة نحو الإيمان وبلوغ مراتب المعرفة المتزايدة الآخذة اتساعاً ببلوغ الهرم
 انطلاقاً من محاربة التفسخ والبلبلة،تبلور فكر المعرفي وترسخ ليغدو حقيقة متجلية فيما إذ حاولنا أكثر النهوض بها ،نجدها تتجه لبناء حياة خالية من الإرهاصات والعوائق ،حياة واضحة المعالم تستمد من الإبداعات الحضارية جمالها وفنها وقيمها الزاخرة، فلا وجود للجمال والحياة الواسعة النضارة إلا في ظل المعرفة الفاعلة التي تتجه بالانسان جماعات نحو العدالة التي من شأنها أن تطبق معايير الأخلاق ،لا لتتركها مجرد قوانين وعقائد خاوية،ينظر لها كمجرد رقم ٍ في المتاحف،والنهوض بالشعور الإنساني المتجلي بالروح المعرفية هو مبعث ارتياح وصفاء عميق لممارسة الحب كعمل و أساس لكل بناء روحي ومادي،بعيداً عن مظاهر الاضطراب الفكري وفوضى المفاهيم الضيقة

والمقصد من بيان الفكر المقولب أنه فكر منطو ، عاجز عن فعل العمل الحقيقي انطلاقاً من نظرة ضيقة ترتكز على أسس عدائية لأن فعل التفاعل المؤثر ضعيف فيه، الفكرالذي لا يسع لعقد قرانه مع الوجود بهمومه وتناقضاته وتبدلاته  هو فكرسرعان ما يتلاشى أو يتبعثر،فالفكر المعرفي متجدد ومتحول تبعاً لمتغيرات الزمن والوجود ،والمعرفة تستمد عظمتها من تفاعل الإنسان ورقيه ورقي فكره الممتد سعة الوجود البهي العبقري الذي هو جل غايات الإنسان في بناء الحضارات والمكتسبات الخالدة ،والجهل يتجسد بالعقل الخواء غير القادر على إحياء ملكات الإدراك في الشخصية وبالتالي فلا خير في الشخصية الانهزامية المتخبطة ،تلك التي تدور في فلك ضيق ولا وجود للضعف داخل بنى المعرفية العصرية الرائدة، ففعل التطور الطبيعي ترافقه الحركة في كل صعيد ومستوى بغية تطوير الأداء المعرفي لأجل تجلٍ  راقٍ وسوي للأجيال الوافدة إلى الحياة، ولعل التحرر من التبعية هي المهمة الأكثر تاريخية لنيل وسام الصعود للأعلى حيث قمم المعرفة، ومبعث البناءالحضاري ، فالذي يدفع الموجود إلى الخلق في الوجود والابداع فيه هو تساؤله وبالتساؤل
يستدل المعرفيون بانطلاقة الحضارة التي كانت استجابة مثلى لتساؤل عميق ومشروع ، ما الذي يجعل الإنسان على درجة من الانحطاط والتردي وهو الفاعل المبدع والباني
من نقطة تطابق القول مع الفعل ، الوسيلة مع الهدف ، الفعل من أجل الغاية، انطلاقاً من أن كل تصرف إنساني أو حركة بشرية مرتبطة بنية القيام بالفعل ومن ثم التخطيط له بعناية وذوق  وبالتالي فصناعة المصير عملية مقرونة بالفعل الذي يسمو بالقوة العملية التي تتحقق من خلال الالتزام بالواجب لأجل الحرية وبذلك فالنظام المتحقق عن الواجب والحرية هو ما يحقق ويكفل  البقاء السعيد والغني للإنسان  والوجود
لا معرفة إذاً دون وجود يحدد ماهية الشيء الذي ينبغي معرفته ومن ثم نستنتج إثر هذا الادراك الحقيقة، والحقيقة تتركز وتتجسد وفق ماهية الموجود ومتانته، نحن إذاً ننظر للحقيقة من كونها قيمة إنسانية تنضوي ضمن إحساس المرء وإدراكه للمحيط الإنساني بتوغله في هذا الوجود ، يستقي منه الإنسان ملكات تأملاته ومن خلال هذه المساحة يفعل طاقته من خلال الأدوات ليصل إلى نتيجة يبرهن من خلالها صدق اطروحاته وتصرفاته من زيفها، وهكذا يمكن أن نتصور الحقيقة تبعاً لعلاقة الإنسان بالوجود وإدراكه لما يحدث وتعامله مع الأدوات وقوته على إبداء دور المؤثر والصاعد في الأدوار العملية المختلفة على مسرح الحياة
علاقة الموجود بالوجود علاقة تحولات تترجم الفعل الصحيح لمسيرةالإنسان وفق صيرورة الانتماء المتحول تبعاً للبيئة وتنقلات الجماعات ضمنها
إن التاريخ يحفظ من ذكر الأمة المتجانسة على اختلاف هيئاتها وأطيافها التي تشكل إبهاراً في سبل المعرفة والفنون والآداب، فالوجود السامي يحتاج من الإنسان أن يكون نظيفاً على مدى تأملاته في الوجود التكويني، لأن ذلك يرفع عن المعرفي صنوف البغي والقهر ، 
 والطاقة المعرفية المتوثبة تنطلق من مواردها وجل إمكاناتها ، إنها تتخذ من الجذور قاعدة لتعريف مبادئها وقيمها المنبثقة عن الماضي الزاخر بالأفعال الحضارية والروح الإعمارية التي كانت بمثابة المنجز الحقيقي الذي جعل الأمم تتجه نحو الإعماروالفن الخالد

الاثنين، 8 فبراير 2021

المعرفيون والقائد الرمز، ريبر هبون

((المعرفيون والقائد الرمز))
*ريبر هبون
المعرفيون يرون المعرفة رمزاً يليق بالمعرفي، فهم يرون أن سياسة القطيع وتأليه القائد  هي احدى عاهات الحكم، حكم وإدارة المجتمعات ، ويرون أن السبيل لتحويل البشر إلى رموز حية حقيقية هي في تطبيق نهج المعرفة والحب لأجل الوجود، حيث كانت المجتمعات القديمة ترى في القائد الإله أو نائب الإله على الأرض، فلقب أمير المؤمنين يعني أنه نائب رسول الله على الأرض، ولقب البابا كان دلالة لنائب المسيح على الأرض،فكانت إدارة الشعوب ولزمن طويل بيد هؤلاء ويرجح أن أسباب تخلف الشعوب والمجتمعات وعزلتها كانت نتيجة الفساد والاستبداد وتكريس الجهل والسلطة القامعة باسم الدين وبعدها تحول منظرو  نظريات الثورة والاصلاح إلى مستبدين ، فالثورة على رموز سلطة الدين كانت ضرورة لانتقال المجتمع إلى حالة مدنية أرقى، لكن الرموز العلمانية التي حكمت ما بعد الثورات وقعت أيضاً في ذات المطب، فبدأ طور حكم المجتمعات باسم القومية والاشتراكية الأممية وانتقلت صفة التقديس الثيوقراطي للقادة الذين حكموا حينها وبدا الاستبداد يأخذ المجتمعات إلى طرق مسدودة تجسدت جلية في مرحلة الحربين العالميتين وظهور قوى ديكتاتورية في الغرب وانتقلت هذه الحالة إلى الشرق والعالم العربي والاسلامي  كنتيجة تسلط القوى الصناعية المهيمنة على تلك الشعوب ..
إن الانتفاضات نتجت عن أنموذجات ديمقراطية تعددية في أوروبا ووصولها إلى العالم العربي عبر ما يسمى بثورات الربيع ، فمحاولات الباس المجتمعات أثواب العبودية وإن تعددت أشكالها جهالة مكرَّسة لتصفية قيم الانسان المعرفي واستنزاف طاقاته وتبدو الفرص  مواتية أكثر لبروز المعرفيين إن في السلطات أو الإدارات والمؤسسات وإحياء قيم الحب والمعرفة لأجل حماية الوجود كدعوة للإنسان الجديد لينعم بأسباب الرفاهية والتقدم الروحي والمادي والفكري..
فالتأثير السلبي الذي أحاقه القادة الرموز من خلال تشدقهم بالثورة وإدعاء حمايتهم لدولهم من التقسيم والفتن جعل المجتمعات تعيش داء الخوف والانحلال المعنوي الروحي مما ازدادت حاجات دك حصون هؤلاء الجهلاء القتلة وناهبي الشعوب لأنهم شكلوا سوراً يحول بين وصول المجتمعات إلى المعرفة بتسترهم بروح الحفاظ على المنجزات والمكتسبات الشخصية وادعاءهم أنها مكتسبات قومية،فقد أعاقوا إرادة المجتمعات من بلوغها درجات التقدم والحضارة وممارسة الديمقراطية واكتساب المعرفة وبناء مجتمع الوجود، فقد استخدموا الدين كمؤسسة تبيح لهم شرعنة الفساد والقتل ، إضافة لتحويل مؤيديهم كمرتزقة فتحول دورهم لخدمة الفئة القامعة الفاسدة والمحاربة لذوي الأصوات الثائرة المحرومة ..
وموقف المعرفيين واضح من هؤلاء، والطريق الأمثل لزوال القادة الرموز تبدأ من وقفة المجتمعات المعرفية عموماً في طريقهم ومحو ثقافة التعامي في رؤية الحقيقة وإنهاء مفهوم القداسة ومن إيضاحهم لحقيقة ثقافة الاختلاف وتجاذب الآراء والتنقيب الدائم للوصول إلى أسس راقية لإدارة المؤسسات ، فالمعرفيين وأصحاب الفكر والأدب والفن أقدر على المسؤولية كونهم يعيشون كأبسط فرد في كافة ميادين الحياة المختلفة فهم أبرع في فهم منظومة الأخلاق، وعلة رمزية القائد عائدة إلى صفة التقديس الثيوقراطي من حيث أن القائد قديماً كان يرمز بالآلهة كما في شخصية كلكامش نصفه بشر ونصفه آلهة حسب الأسطورة، وشخصية الفرعون المتأله، حيث بقي للقائد مكانة مقدسة أدت لترسيخ مفهوم التبعية والطاعة العمياء والخضوع التام فشيوع هذه المفاهيم وتجذرها من خلال الدين والخطب التي كان يلقيها الأئمة على رؤوس مطأطئة لا تفكر ولا تتدبر بل تستسلم لأحد أبواق السلطة القامعة المتمثلة بخطيب الدين وإمامها،وكانت الإلهة الأم تأخذ صفة القداسة والرجل كان يرمز بالسلطة في ضرورة أن تمتثل الزوجة له امتثالاً تاماً حيث أن صفة الرمز بقيت ليومنا حية تحظى بصفة أشبه بمكانة الألهة، فسلطة السلطان العثماني تأخذ الحيز المطلق من المكانة الدينية المطلقة التي تلتف حولها طغمة من رجال الدين يفتون ويخطبون في الجوامع والمساجد باسم السلطان حتى وقتنا الراهن، كما في عهود الأباطرة والمماليك والقياصرة، حيث كانت لهم السلطة المطلقة المقدسة المدعومة بالكاهن أو البابا أو الشيخ، فترسيخ ذهنية الطاعة والخوف لدى الناس كرست التبعية ومفاهيمها على المجتمعات ولعهود متتابعة وطويلة حيث تشربت هذه المجتمعات من هذه القداسة والطاعة حيث غدت صورة مجتمعاتنا عموماً الاسلامية منها وحتى العلمانية، وبوجود المعرفيين في مراكز الحكم وتداول السلطة وإبداء النقد الصارم للحكام والإدارة التعددية تنتفي أحادية الحكم  وشموليته، ويتلاشى الخوف وتلك النظرة العدائية من قبل السلطات المتخلفة لشعوبها ..
إن هذا الصراع الرهيب والقديم بين أصحاب السلطات فيما بينهم من جهة وبين السلطة والشعب المتمثل بمعرفييها من جهة أخرى أدى إلى انتشار العنف والتفسخ وإقامة بنى جديدة شاعت من خلالها مفاهيم الارهاب والاغتيال السياسي والتعذيب الجسدي الممنهج ضد ذوي العقول ورموز المعرفة وتطور الوجود، ولأجل خدمة كبار الجشعين من أصحاب المال ودعاة نشر العنف ..
المعرفيون يجدون أن إدارة الحياة والمؤسسات تعتمد على المعرفة والمعرفة تعلِّم المسؤولية التي هي فن قيادة المجتمعات نحو سبل الحياة الفاضلة والرفاهية المستدامة والتقدم المستمر، وذلك بأن تتخلص  المجتمعات وإداراتها  من الذهنية التقليدية في تعاطي السلطة والحكم، فالوثنية الحاكمة أرهقت جداً الشعوب وجعلتها أشبه بالقطيع حيث لا تفكير أو تطوير أو بناء بل جهالة متكالبة متتابعة في حياة الشعوب وتأخر دائم عن ركب الحضارة المعرفية والتقدم القيمي، فوجد القادة الرموز في الشعارات التخديرية وسيلة ناجعة للبقاء في الحكم مهيمنين ، يدين لهم المجتمع وكأنهم آلهة على الأرض وتطيعهم الغالبية المازوشية بضرب من الجهالة وتفادياً للبطش المتمثل بأجهزة المخابرات، وهنا تكمن وظيفة المعرفيين داخل هذه البنى المجتمعية في أن تتخلص من هذه النظرة التبعية المزرية بالتعاطي مع الحياة والإنسان، من خلال ترسيخ ثقافة الحب المتمثلة بالمحبة بين أبناء الوجود الوطن ومنها للوجود الكبير، من خلال بناء العائلة الطبيعية، فما القادة الديكتاتوريين إلا انعكاس لخلفية الأفكار البالية التي تقنعت بها المجتمعات مع تتابع عهود الاستبداد والغطرسة، ووظيفة المعرفيين في المجتمعات هو أن يعملوا على ترسيخ نهج الحب في الوجود في ظل نداءات تطالب بحقوقها في الإدراك والرفاهية والإبداع فلا يمكن أن تتحرر العقول والأرواح من بطش السلطويين إلا باستبدال ذهنية الطاعة والامتثال الصوري بفلسفة التوحد بالوجود في خضم المحبة الواعية، والمعرفة في طلب الأفضل والأنجع لأخذ السبيل النير للحياة الخالية من كل تبعية أو استسلام، نحو المدنية والبناء..
فالحب في ضوء فلسفة الحب وجود والوجود معرفة ليس عاطفة ذاتية انسانية بل الحب هنا هو الوجود الذي يمثل نبض كل الكائنات على ظهر الكوكب، فهو الشجرة التي تولد منها كل فروع الحياة الطبيعية والانسانية ..
والمعرفي هو باني الحضارة والعامل على جعل المعرفة الحقيقة الخالصة في الوجود ومن خلالها تنتفي فجوات الحياة وثغراتها التي تتباين في التفكير الإنساني...

الاثنين، 1 فبراير 2021

المعرفيون والأحزاب الشمولية ،ريبر هبون

((المعرفيون والأحزاب الشمولية))

*ريبر هبون

 

إن المعرفيين  يرون في الأخلاق المبدأ الأقصى في فهم المعرفة التي هي تمجيد للمحبة الناتجة عن الحب كرب كل قيمة أخلاقية، وهم يرون في الأخلاق التي تنتهجها الأحزاب الشمولية قوانين وثنية غايتها تفريغ محتوى الفرد العضو وجعله انساناً مجرداً من كل إرادة معرفية أخلاقية ، ليكون كائناً طيعاً وديعاً يقبل على مبادئ الحزب بآلية وخضوع دون أن يسمح لنفسه بالشك من أي مبدأ يعتبره مثالاً خالداً متطوراً دوماً، لذا تعمل الأحزاب الشمولية على تفريغ محتوى أفرادها وأتباعها من الإرادة المعرفية والحب الطبيعي وجعْلهم يؤمنون أن لا أخلاق فوق أخلاق حزبهم وأن لا حرية خارج الحزب ، وبذلك عملت الأحزاب على طعن الأخلاق العليا والإرادة المعرفية وعملت على سحقها رويداً رويداً عبر طرح أنموذجات خاوية مثل: الانسان الحزبي المستقيم، الحزبي القومي، الحزبي الثوري، الحزبي الاشتراكي ، الحزبي الليبرالي، الديني ، الأممي، وغيرها من قوالب شمولية جامدة  غير قابلة للحركة ،لذا نتأمل الهيكلية الشمولية فنجدها الأنموذج الأكثر انغلاقاً ومركزية عبر التاريخ، حيث أن الفرد الحزبي الشمولي فرد طيِّع وخاضع ومنظر، والمرأة في الحزب حين تتخلى عن قيمها الشخصية شكلاً لأجل الحزب امرأة بمنتهى الالتزام والطهارة بذريعة أن حرية الفرد تنتهي بحرية المجتمع فهي تصل لدرجة أن تهب كل شيء لتبلغ دور المومس والجاسوس الخاضع، هكذا تنهج الأحزاب الشمولية بتسويق الانسان وتعليبه ليصبح آلة ، كون الشرف الروحي والمادي وفق منظور الأتباع يكمن في الحزب لا في الأفراد وما لهم من حقوق وخصائص وما عليهم من واجبات معرفية حتى حين قام زوج ابنة كارل ماركس بالانتحار قال لينين أحد زعماء الاشتراكية المشيدة مستنكراً انتحاره معبِّراًً:

(الاشتراكي ملكٌ لحزبه فلا يحقُّ له الانتحار)

فالعقلية الشمولية مستترة وراء غايات ومصالح معينة لا يستفيد منها سوى الفئة العليا المديرة لهذه المنظومة الازدواجية ممن يتزعمون المسؤولية ، تغطي أفعالهم السرية المتقنة ،فالفئة العاملة في الحزب تعمل في الغالب بلا مقابل والفئة المديرة فئة انتهازية تعتاش على الابتزاز وعمل الفئة العاملة وإن المصلحة والايديولوجيا تعملان على افقار ذهنية العضو الحزبي وجعله بلا إرادة خدمة للأخلاق الوضعية النسبية التي يعتبرونها قيماً تأليهية غير قابلة للنقاش والنقض، لأن ذلك يؤدي إلى الخروج والانحراف بمجرد الجدل والاختلاف في الايديولوجيا، فإرادة الفرد تتلخص في حماية المصالح الحزبية ليس إلا، وتقويض للانتماء الانساني، لذا كانت معظم الفئات المتحزبة تدافع عن عمى وتمجيد حماية للجهالة والتخلف مستغنية عن العقل الناقد والحوار البناء والجدل الذي يجعل العقل خلية ناشطة تقدم الجديد في مختلف الميادين والمستويات, فالمعايير الأخلاقية تلاشت تدريجياً في سياسة التنظيمات الشمولية , وعبر تعاطيها الرديئ مع شعوبها , حيث تتوهم تلك السياسة أنها بالفعل سوف تحول جماهيرها إلى أمد بعيد لمريدين كسالى الذهن , وما تلبث أن تزيد من أعداءها الداخليين , فتنشر في أوساطها أسواق الرقيق , حيث يلجأ هؤلاء الأتباع للارتزاق داخل صفوف التنظيم حتى  يتآكل الهيكل وتتصدع الأبنية , وتتشتت الأدوار القيمية داخل الجماهير , وتعم مشاعر انعدام الثقة بين المجتمع , ولاشك أن الخاسر الحقيقي هو المجتمع حيث يبرز كفتات في خضم هذه الفوضى الارتزاقية

 

 فالغاية المثلى للإنسان والتي يجدر أن يراها الانسان الجديد  وأن يتمثل بها كتمثله للمجد والقوة هي في المعرفة المنظمة،

لأن موديل الجماعة المتحزبة لم تكن إلا خدمة للفئة القليلة المنتمية لذا فهذه الفئة تقتات على حساب القسم المحافظ على الحزب ومبادئه حيث ان الجماعة عموماً فئتان:

-الفئة الرصينة المتمسكة ببنيان الحزب ومبادئه وهذه الفئة تتعرض لأقسى الضغوطات من التهديد بالتصفية أو انزال الرتبة والمكانة التنظيمية إلى انساب التهم لها بالخيانة والتشهير أو النفي

-الفئة الطفيلية التي تجد في الحزب امتيازاً يكفل لهذه الفئة مصالحها المادية الانتهازية لأجل دوام الرفاهية والغنى وهذه الفئة متينة تتستر على انتهاكات بعضها البعض، ولا تقبل أن تخترق من قبل دعاة التغيير،لأن التغيير ليس في مصلحتها،  وذلك لأن كل منظومة أو دولة تنشأ  يحدث فيها ذاك الصراع الوجودي بين المحافظة والتغيير، والأصالة والتقدم

والانفتاح والانغلاق، وبذلك تصبح مبادئ الحزب عبارة عن لوائح جامدة لا تتغير.

نلاحظ أن خطر هذه الفئة يستشري ليطغى بتأثيراته على الجهاز الأعلى للحزب لتصبح السبب في بقاء الحزب لأجل دوام المنفعة وزيادة تجهيل الناس وتخديرها أطول مدة ممكنة ويتجلى هذا في نماذج الاحزاب الشمولية بصورة خاصة..

المعرفيون يرتقون في طلبهم للمصالح بمستوياتها وأشكالها، فالمعرفة هي المصلحة العليا التي يتنافس المعرفيون عليها وبذلك فالنمطية الحزبية الناتجة عن شكل الحزب وطريقة تعاطيه هي من ضروب الجهالة والانغلاق والتشتت، فالمعرفة تسعى بالانسان نحو التنظيم الفطري الطبيعي.

المعرفيون يعيشون وجودهم لأجل المعرفة، لأنهم يجدونها رسالتهم الطبيعية ، التي لا يمكن لمستغل جاهل أو حاقد أن يستغلها فلا يمكن أن تكون هنالك أصولية معرفية في حين يمكن ان تتحول الأديان إلى أصولية ويتزعمها أصوليون ولا يمكن للمعرفة أن تتأطر لتصبح كالفكر القومي العرقي أو الجغرافي، وان تسودها الشوفينية والعنصرية التي تعم التنظيمات الحزبية القومية والاممية، أو السلفية الدينية، لأن المعرفة بحالتها الطبيعية ارتقاء وسمو بعيد عن سلطة القوميات والأديان والمذاهب والأعراق، فالدين في حالته الطبيعية المعرفية صلة الانسان الاخلاقية بالآخر تمثلاً بالله، أي الحب .

والقومية في حالتها الطبيعية المعرفية ارتباط الفرد بالجماعة لأجل بقاء الخصائص والقيم والعادات واللغة والتاريخ ، والمعرفة لا تلغِ هذه الخصائص، والمثل المشتركة لأنها تمثل الارضية المجتمعية لتطور المجتمعات وفقاً لوعيها وارتقاءها إلى المعرفة

فالمعرفي يرفض التلاعب بالأديان لأنها تمثل صلة الروح بالسماء، كما يرفض الشوفينية القومية لأنها تشويه للحقائق وتقزيم دور الجماعات المجاورة  التي تتعايش معرفياً على سطح الوجود  لأجل تطوير الخصائص وإنعاش الحياة الحرة ، فالمعرفة أساس منشأ الأفكار النظيفة فهي تجعل الانسان يقبل على الحياة عن إدراك ونضج ..

إن الحزبياتية تجعل الانسان مفتقراً إلى جو الحرية الخالصة ويبقى أسيراً للمعارف التي تعارف عليها أصحاب العقيدة المنحصرين في جزئيات القضايا

فالمعرفة هي إعادة قراءة لمختلف القضايا الجوهرية التي تؤسس لعلاقات أفضل، لأجل نهاية عهود الاحتقان والاضطهاد القومي الاناني الذي قضى على الأواصر المدنية السامية وقوض الحياة الانسانية ..

و المعرفيين يرون الأخلاق في صلب المعرفة، ويرون في الحقوق والواجبات الاجتماعية للإنسان أسساً رفيعة لأي بناء معرفي يؤدي لتحقيق أقصى درجات السعادة والخير للإنسانية في ظل وجود يزدهر ويتألق ، وجود يقدسه المعرفيون ، يرونه الحياة الضامنة لرفاهية الانسان وتحرره من أدوات صناعة الموت والتلوث والعنف الدموي..

فالمعرفة الطبيعية اشباع تام في ظل التنوع الذي تفرزه الجماعات المختلفة  التي تدين بالحقوق وتقر بالواجبات التي تقتضيها الطبيعة الفطرية المتآلفة في ظل الوجود..

المعرفيون يجدون في قيمة الحق باباً مفصلياً لفهم مفهوم الانتفاضة المعرفية لاسترداد الحق في التمتع بالوجود والتحرر من سيطرة الجهلاء،ودعت الحاجة للمعرفة لأجل تحقيق هدف الحب وهو سبر المعرفة  لأجل حماية الانسان من ما يستدعي القهر الذي تسببه انانية الأفراد ، فالانانية وباءٌ يستفحل بالانسان في تسري الضعف فيه وضرب من ضروب الجهالة والعمى وتشويه لجمال الوجود وقدسيته ونكرانٌ للحب الذي ينير للانسان سبل ومدارك التمتع بالسعادة في تحقيق رسالة المعرفة

إن عبء المعرفي ثقيل لأن تكامل الحب والعلم رسالة أولى ملقاة على عاتق المدرك والمتأمل فهو وحده يستشف الجمال وقيمة الخير والحق ويعمل على حماية الوجود والحب من خلال بحث الذات عن ما يجعلها تسمو أمام الوجود المتقن،وصراع الانسان مع الجهل طويل مرير وبتكاتف المعرفيين وتوحدهم تكمن القوة القادرة على خلق الابداع بتواصل وخرق الوثن القائم في تركيبة الحزب الشمولي ومقاومة منظومة الجهالة المتفشية فيه،والاحساس العال بجمال الوجود من خلال الوطن وضمان تمتع مكوناته بأقصى حقوقها فالوطن وجود  والوجود الشامل هو وطن المعرفيين الكبير..

وإزالة الحاجة والعوز عن المنكوبين  والعناية بهم واجب معرفي انساني محض، كي يعش أبناء الوجود دون جوع ، والمعرفيين لا يعنون بمفاهيم توزيع الثروة أو الاشتراكية فهي ليست سوى مفاهيم طوباوية حالمة ، لكنهم يؤمنون بانتفاء الجوع والتشرد كشبح يخيم على ضحايا العنف والكوارث البيئية..

 

 

حيَّان كورديان أمام إرهاب دولتين

حيّان كورديان أمام إرهاب دولتين *ريبر هبون قراءة سياسية تشهد مقاومة الأهالي في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ضراوة غير مسبوقة، أمام...